المقال الرابع من مقالات صحيفة الأسد الإسلامي: كرومر وكتابه

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي
كرومر وكتابه([1])
الذي جَرَّدَ فيه نبيئنا -عليه السلام- من جميع ألقابِ التَّعْظِيمِ والاحترام
(كرومر) رَجُلٌ عَيَّنتهُ الدَّولةُ الإنكليزية معتمدًا سياسيًّا لها في مصر منذ احتلتها، فأقامَ في مركزه ما يقاربُ 25 سنة؛ وهو يوالي ويعادي وينفَعُ ويَضُرُّ ويمدَحُ ويَذُمُّ؛ ليتوصَّلَ إلى نيلِ سمعةٍ وثناءٍ ومَيْلٍ من المصريين إليه، وإلى دولتِهِ التي انتخبته ليخْدِمَ سياستها، ويخضع لها [الرقاب]([2]) بوادي النِّيل، فما كان من المصريين إلا الجُمُوحُ عنه، وإنكار خُطَّتِهِ، واعتقادُ أنَّه العَدُوُّ [الألدُّ]([3]) السَّاعي في تدميرِ بلادهم، وإن عمل حسنة (ولا يخلو إنسانٌ من حسنة)؛ عَدُّوها ذريعةً إلى سيِّئاتٍ ومصائب (وكفاه فاجعة دنشواي أثرًا) حتى صار ذلك من طَبْعِ العنصر المصريِّ؛ قُبْطِيِّهِ ومُسْلِمِِهِ؛ إلا [النَّادر]([4]) يولد عليه الصَّغيرُ ويتغذَّى به الكبيرُ.
ذلك لما أوتيه المصريُّونَ من الذَّكاءِ والنَّظَرِ في العواقب، وإدراكِ المقاصد بعد أن أدَّبتهم الأيامُ، وهذَّبتهم التجربَةُ والمعارف، وما أوتيه كرومر من السِّياسة التي لو لم تسترها سُمْعَةُ وظيفته وسيطرة دولته لكانت عنوان السِّياساتِ المُنْحَرِفة.
فلم يُغْرِ المصريين تملق، ولم يستفزَّهم طَمَعٌ، بل بسبب سياسَةِ كرومر تشبَّثُوا بإنكار الاحتلالِ، وجهروا بعداوة الدَّولةِ الإنكليزية، ونادوا بطلب انجلائها، وضجُّوا من أعمال هذا الرَّجُلِ، وتمالَؤا على طلب نقله من بلادهم.
فنقل متحسِّرًا حاقدًا مملوءَ الجوانب غَيْظًا، وكلُّ مصريٍّ يودِّعُهُ برمي حجاراتٍ وراءَهُ مُكبِّرًا مُكرِّرًا قوله تعالى: (مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ) (يس: 67 )، وكأنِّي به وهو يُرَدِّدُ هَمْسًا قول نفات النفوسي من علماء القرن الثاني لما أحسَّ بفسادِهِ: «هلكت وأهلكت يا نفات».
هذه هي النتيجَةُ الأولى لسياسة كرومر، وهذه فائدةُ دولتِهِ منه.
وكأنه أعجب دولته التي لم تَنَلْ منه غير إثارة نفوسِ المصريين عنها، فأقامت له احتفالاتِ التَّعظيمِ، وكافأته بخمسينَ ألفِ جنيه بدلًا عن أن تغرمه ما يساوي العداوة التي أسسها لها في الشَّرْقِ (ولا قيمةَ لها).
ثم ترَقَّى من هذه الطَّبَقَةِ إلى طبقةِ المؤرِّخينَ والمتدينين، وكأنه رأى أن يختمَ صحائفَ أعمالِهِ بما يعتقدُ فيه أنه موصل إلى السعادة الأبدية، ويخلِّد له الذِّكر، ويورثه الحمدَ من القياصرة والكهنةِ والملوك، وهو تأليفُ كتابٍ في شأنِ مصرَ مشحونٌ بالطَّعْنِ في الإسلامِ والمسلمينَ ونبيئهم -صلوات الله وسلامه عليه-، وكأنَّه تجاهل أو جَهِلَ أن ذلك لا يشفي غَيْظًا، وأنَّه أتى بما لا يأتيه عدوٌّ لعدُوِّهِ بالنَّظَرِ إلى دولته، وإلى غيرها من الدُّوَلِ ذات المستعمراتِ الإسلامية، فهو مضرٌّ لها في صورة نافعٍ، مضلٌّ في قالَبِ مرشد خادم للإسلام وخليفته من حيث لا يدري.
وكأنَّه هو ومن قَبِلَ كتابه هذا من بني جنسِهِ وأصدقائه بصَدْرٍ رَحْبٍ لم يطرق بابًا للسِّياسة، ولم يدرس فصلًا من فصول التَّاريخِ حتى يعلم أسباب تقلُّصِ ظلالِ الدُّوَلِ، وانطماسِ معالم الممالك والملوك (فأين تكون السِّياسة المطلوبة؟ وأين يوجد لطف الشمائل والآداب) إذا فقدت من كبار النَّاس، ولكنَّها القوَّةُ مع السُّمعةِ تقول ولا تدرك الخطأ.
ولو صدر عشر معشار هذا من موظَّفٍ مُسْلِمٍ صغيرٍ؛ فضلًا عن كبير؛ كوزيرٍ في الرَّسولِ عيسى -عليه وعلى رسولنا السلام- (وحاشا أن يصدر ذلك)؛ لقامت القيامة وتتابعت الصَّواعِقُ، وفغرت أفواهُ المحاكم، وضجَّ العالم الأوروبيُّ (وإن كان لا يرى الآن عيسى شيئًا لا إلهًا ولا نبيئًا)، قائلًا: إن تعرض رجال الحكوماتِ أو من في منزلتهم للدِّياناتِ مُخِلٌّ بالأمن، داعٍ للخلل، مؤدٍّ إلى ما لا تُحْمَدُ عقباه، وإنَّه تعصُّبٌ فاسدٌ، وهمجيَّةٌ مقلقةٌ … إلخ.
وهذه هي السِّياسَةُ الثانية لكرومر التي نال بها الحَظَّ الأوفرَ عند رئيس جمهورية في أمريكا، حتى رويَ أنَّه استدعاهُ لزيارة أمريكا ونزوله ضَيْفًا مُعَظَّمًا بأحد قصورها الشَّامخةِ الشَّهيرَةِ ليتفاوض معه في بعض أمورٍ مهمَّةٍ تختصُّ بجزائر الفيليبين بالشَّرقِ الأقصى، وذلك على إثر مطالعته لهذا الكتاب وإعجابه.
ونحن نُنَزِّهُ كلَّ رئيسٍ من رؤساءِ أوروبا ذات المصالح -وخصوصًا أمريكا- عن التَّظاهُرِ باستحسانِ هذا الكتاب، ولعلَّ الرِّواية مكذوبة.
وكانت نتيجة هذه السِّياسة الثانية الكرومريَّة؛ إثارة الشَّعْبِ المصريِّ كلِّه من مسلمٍ وقِبْطِيٍّ، وبذر أحقادٍ في نفوسِ الجميع نحو الدَّولةِ الإنكليزية، ربما لم تكن من قبل موجودةً، وها هي الجرائِدُ قائمة على قدمٍ وساقٍ للرَّدِّ عليه، وتفنيدِ أقواله بطرقٍ شتَّى.
وانظر إذا بلغ صدى هذا الكتاب (بل بلغ) إلى الأقطار الهنديَّةِ، ماذا يكون؟ إذ ليست بأقلَّ من مصر شعورًا وغيرةً، بل هي منبع النَّهصاتِ الشرقيَّةِ، وما في الكتاب مما يتعلَّقُ بالإسلام لا يختصُّ بالمصريين.
وقد فتح بابًا كان يهاب الولوج فيه كثيرون من أربابِ الحيثيات من أهل الإسلامِ، وربما ولجوهُ الآن مشاكلة فيتَّسِعُ الخِرْقُ.
ولسنا نحن ممن يشغَلُ وقتًا في نقل فصولِ كتابٍ لا فرق بينه وبين كثيرٍ من كتب الحكاياتِ والقصص الفارغةِ إلا بما اختصَّ به من الطَّعْنِ في الإسلامِ وأهله؛ فضلًا عن أن نرد عليه، ونزيده شهرةً، ونعضد كرومر على التِّجارة فيه زيادةً على ما ربحه منه الآن من عشراتِ الألوف، فنصبح من بائعيه والمرغبين في اقتنائه بدون مقابل غير ما فيه من تحقيرنا وإهانة (ديننا ونبيئنا) -صلوات الله عليه-، على أنَّ الرَّدَّ قد قام به كثيرونَ من رجالِ الغيرة بمصر، وكاد ينتهي، وقد ثبت علماء الدِّين بمصر أمام هذه الحركة، ولم يُحَرِّكوا ساكنًا؛ لأنَّ الرَّجُلَ غير عالمٍ بشيءٍ من الدِّين الإسلاميِّ، فهو لا يفقه ما قال، ولا ما يقال له، وليس ما جاء به أكثر مما قاله المُبَشِّرون قبله الذين قيل في حالهم:
لو كلُّ كَلْبٍ عوى ألقمته حَجرا
لكانتِ الصَّخر مثقال بدينارِ
إذ ليس في كلامِهِ شيءٌ ما غير إخبار على حسب ما تهوى نفسه، ويرمي الله غرضه ولا جواب للمخبر بغير الواقع غير قولهم (كذبت فيما قلت)، فالمسألة لم تكن في درجةٍ تهمُّ علماء الدِّين، فلا لومَ على الأزهريِّينَ على ما نراهُ إن سكتوا.
ولقد أصاب أحد الأدباء في هذا الموضوعِ حيث قال مؤرِّخًا:
كرومر أنشا كتابًا ونادى
أغيري سياسي أتاكم يصنف
فقلنا بصدق وجئنا نؤرِّخ
(أصيب كرومر حتما يخرف)([5])
103 + 466 + 449 + [890] ([6]) = 1908
نعم؛ هو قد أحسن إلينا من حيث أساء، إذ حَرَّكَ الهمم واستخدم أفكار أدباء وأرباب الحميَّةِ من الصحافيين المصريين حتى جادوا بما سَطَّروه من فضائل الإسلام وبيان ما خفي من أحواله على كثير ين ممن لم يمارسوا التاريخ، إلا أنَّ في تسمية ما تفضلوا به في موضوع الدِّين (ردودًا على كلام كرومر الخالي من الحجج)؛ تنقيصًا لها، وحَطًّا بقدرها، وهي جديرةٌ بالتقدير، وقد قيل في مثل هذا:
ألم تر أن السيفَ ينقص قدرُهُ
إذا قيل هذا السَّيْفُ خيرٌ من العَصَا!
وها هنا الأَسَدُ يفتتح باكورةَ أعمالِهِ المُهِمَّة، فيقترح ما أدَّاهُ إليه اجتهادُهُ في هذا الموضوع، ورآه مناسبًا، وما النَّصْرُ إلا من عند الله.
اقتراحُ حزب الدِّفاع
يقترح (الأسد) على أربابِ الغيرة والحزم إنشاء [حزبٍ؛ باسم حزبِ الدِّفَاعِ عن الدين (وفي مصر أحزابٌُ كثيرةٌ)؛ مُصَدَّقٌ]([7]) عليه من أمير البلاد، مؤلَّفٌ من علماء دينيين وعلماء سياسيين من كافة الطوائف؛ ليكون جامعًا تامَّ الاستعداد، تكون هِمَّتُهُ على الدَّوامِ القيام بالدِّفاع عن مثل هذا الحادث الكرومريِّ المتعلق بالإسلام ونبيئه -صلى الله عليه وسلم-، ويكون أول أعماله أمرين:
- تقديم عرائضَ إلى الملوكِ الإسلامية في طلب تطهير بلاد الإسلام من الخرافاتِ التي لا علاقة لها بالدِّين، ولا تجلب له إلا الطَّعْنَ وعدم الثِّقَةِ به من الأجانب لنسبتها إليه.
- تقديم تلغراف إلى ملك إنكلترا وإلى ملوك الدُّوَل المعظَّمة، وفي مُقَدِّمتها جلالة الخليفة الأعظم وألمانيا؛ يتضمَّنُ الاحتجاجَ على كرومر والاستياء ممَّا أبداه من إهانةِ الدِّينِ الإسلاميِّ ونبيئه -عليه السلام-، وطلب منع انتشار كتابه، وغير هذا مما يليقُ بالموضوع، ويراهُ الحزبُ مناسبًا، ويوقع على التلغراف جماعةٌ من معتبري جميع الطوائف الإسلامية الموجودة بمصر حتى يكون من لسان العالم الإسلامي قاطبة، وربما ينحو هذا النحو أرباب الحياة في الشرق والغرب.
([1]) صحيفة الأسد الإسلامي، العدد (2)، 13 ربيع الأول 1326هـ/ 14 أبريل 1908م.
([2]) في الأصل: “الرقات”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: انظر: انظر: زعيمة بنت سليمان البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد؛ للمجاهد الليبي سليمان الباروني، (1964م، مطابع الاستقلال الكبرى-القاهرة)، (ص39).
([3]) في الأصل: “الألذ”، ولعل الأقرب ما أثبتُّ.
([4]) في الأصل: “الناذر”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص37).
([5]) بحسابِ الجُمَّل؛ يكون حساب هذه العبارة سنة 1908م؛ كما بَيَّنَ في المتن.
([6]) في الأصل: 490، والصحيح ما أثبَتُّ بحساب الجُمَّل.
([7]) في الأصل: تمزَّقٌ في هذه الكلمات، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص42).
Loading Viewer…



