من صحائف الروّاد

في ذكرى بزوغ شمس الحق وإشراق نور الحقيقة

سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي

تمهيد:

مقال لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مضى على تأريخ نشره أكثر من خمسين سنة، فقد نشر في مجلة العقيدة العدد ٣٥، بتاريخ ٢٣ ربيع الأول ١٣٩٤هـ، ١٥ أبريل ١٩٧٤م، في الصفحة ٣١، بعنوان (في ذكرى بزوغ شمس الحق وإشراق نور الحقيقة) ثم (للأستاذ أحمد بن حمد الخليلي مدير الشؤون الإسلامية)، ونشر أيضا في موقع واحة الإيمان بعنوان (في ذكرى المولد النبوي الشريف) وقبله: مقال نادر لسماحة الشيخ الخليلي في ذكرى المولد النبوي الشريف (1974م).

وفي آخره (نقلا عن أبي زياد، المصدر: جريدة عمان، العدد (٧٣)، ٦ إبريل ١٩٧٤م) مع إضافة البسلمة والحمدلة والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، كما هو بين المعقوفتين الآن. إدارة منصة معارج.

 

في ذكرى بزوغ شمس الحق وإشراق نور الحقيقة، للأستاذ أحمد بن حمد الخليلي، مدير الشؤون الإسلامية

[بسم الله الرحمن الرحيم،

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد]…

فإنه مما يغمر قلوبنا فرحًا ويملأ مشاعرنا سرورًا مشاركتنا لإخواننا مسلمي العالم في الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة التي لها أكبر الخطر في التاريخ وأعظم الأثر في النفوس؛ تلك مناسبة ذكرى بزوغ شمس الحق وإشراق نور الحقيقة بمولد من أرسله الله رحمة للعالمين، وبعثه إلى خلقه متممًا لمكارم الأخلاق، مشيدًا لصرح العدالة، ناصبًا معالم الهداية، حالًّا لألغاز الكون، كاشفًا عن أسرار الحياة، ذلك عبد الله ورسوله وحبيبه وصفيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لم يعرف التاريخ ولن يعرف له مثيلًا من البشر في كمال خلقه وخلقه، وفي الاتصاف بأرقى ما يتصوره العقل من صفات المخلوقين.

أيها الإخوة، إن البشرية ظلت قبل إشراق نور مبعثه صلى الله عليه وسلم تهيم في ظلمات متراكمة، وتتيه في ضلالات عمياء، لا تميز في شؤون حياتها بين الخير والشر، ولا بين المصلحة والمفسدة، ولا بين الرقي والانحطاط، ولا بين الحقيقة والوهم، ولا بين العلم والجهل.

فقد كانت المفخرة الكبرى عند الناس استغلال القوي للضعيف، وإشباع النهم والغرائز وإراقة الدماء وابتزاز الأموال، ولا فرق في ذلك بين مجتمع ومجتمع، ولا بين دولة وأخرى. ومهما كانت هنالك من حضارة كحضارة الهند ومصر وفارس وحضارة الرومان القائمة على أنقاض حضارة الإغريق البائدة، فإن جميع تلك الحضارات ما هي إلا مادية بحتة لم تقوّم اعوجاجًا ولم تصلح فسادًا، بل نستطيع أن نقول إنها منبعثة من النزعات الشريرة والنزوات البهيمية المتمثلة في أعمال تلك الأمم الضارية التي لا رقة في قلوب كبرائها ولا انسجام بين أفرادها.

وهكذا بقيت البشرية تتقلب على جمر المآسي، وتتجرع مرارة الظلم والهوان، حتى أراد الله سبحانه للأرض الميتة الهامدة أن ينفخ في هيكلها البالي روح الحياة؛ حياة العلم والإيمان، حياة الحق والعدالة، حياة الرشد والهداية، حياة ارتباط أبنائها برباط العقيدة الصحيحة، حياة الاتصال بهذا الكون الواسع الذي تسبح كل ذرة منه بحمد الله تعالى.

حينئذ أذن سبحانه لقطب دائرة الكون وتاج مفرق الوجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يتجلى نور محياه على عالم الشهادة في يوم الاثنين ثاني عشر شهر  ربيع الأول لخمسين يومًا من حدوث واقعـ[ـة] الفيل، فاستقبلت الأرض أكرم ضيف نزل عليها ليكتسح منها التصورات الباطلة والمفاهيم الخاطئة والأوهام والخرافات التي راجت سوقها بين بني البشر، فأصبحت عالقة بكل ذهن، مالئة لكل قلب.

وقد كان صلى الله عليه وسلم أول ما نادى به ودعا إليه كلمة «لا إله إلا الله»؛ تلك الكلمة التي زلزلت عروش الظلم، ودكت صروح البغي، وأرست دعائم العدالة، ورسمت خط المساواة، وكشفت عن عيون الضعفاء المحتقرين ما نسجته أيدي الظلم من ستار كثيف وارى عنهم الحقائق، لئلا يهتدوا إلى أن لهم في المجتمع حقوقًا.

لقد أوحت هذه الكلمة العادلة الشاملة إلى كل قلب واعٍ أنه لا فرق أمام الحق بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير، ولا بين رفيع ووضيع، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين إنسان وإنسان آخر؛ فالكل عباد الله، وليس الحكم إلا لله.

وكل من الكبرياء والعظمة والجلال والقهر والخلق والأمر مما استأثر به الله، فلم يبق مجال لاستعلاء أحد على أحد، أو استغلال إنسان لإنسان، وإنما يحق للناس أن يتنافسوا في الاقتراب من الله بالعمل الصالح، وبذلك يتباينون في المنازل والدرجات.

وهكذا ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى هذه المثل العليا والمبادئ الرفيعة، غير مبالٍ بما يلقاه من تحديات الدهر ومعاكسات الزمن، ضاربًا أروع الأمثال لقادة الإصلاح وأرباب النهضات في الصبر على الشدائد وتجرع مرارة المآسي؛ إذ كان صلوات الله وسلامه عليه يلقى جميع المصائب والمصاعب بقلب كله إيمان بالله وثقة بجلاله، فلم يكن اليأس ليجد سبيلًا إليه، ولا التردد يحوم حوله.

وبهذه الروح الفعالة تأثر الناس بدعوته، فتقبلوا الإسلام موقنين أنه دين الحق والصواب، ودين الهداية والرشد، دين الأمن والسلام، وعابوا ما كانوا عليه من عقائد متناقضة وأحوال متباينة.

وأخذ الإسلام يملأ العالم صيته، مكتسحًا بتياره الهادر ما علق بالأذهان من ترهات وأوهام، جاعلًا من البشر كلهم أمة واحدة تجمعهم كلمة الله، ويربط بين أقصاهم وأدناهم الإيمان بالله، فلا قبلية ولا عنصرية ولا إقليمية، إنما الفارق الإسلام أو الكفر.

هذه هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى البشر، فما أسعد ذكرى مولده الشريف التي تعيد إلى نفوس المؤمنين مواقفه المباركة كأنما يشاهدونها عن كثب.

إن من أهم ما يجب أن نحرص عليه هو أخذ العظات النافعة والدروس البالغة من أبعاد هذه الذكرى، فما أحوج الأرض اليوم إلى دورة تاريخية تكون امتدادًا لتلك الدورة الكبرى، لتتلافى هذه البشرية التي عادت إلى جاهليتها الأولى، فأصبحت تتسكع في أحلك الظلمات، وتهيم في أخطر المتاهات.

وأصبح من أبرز خصائصها وأوضح سماتها الحسد والجشع والتنافر والتدابر والقسوة والاستبداد. تفتح لها من علوم الطبيعة ما يمكنها به الترفيه على العالم وتوحيد الشمل وتعميم روح الطمأنينة والسلام، ولكنها استغلتها في الإبادة والتدمير وإثارة البغضاء والخصام، وإشاعة الأكاذيب وترويج الأباطيل وتمييع الأخلاق وإشهار الرذائل، فأصبحت الحياة يساورها القلق ويهددها الاضطراب.

ولذلك تبرم منها كثير من الشباب الحائر، فأصبح عندهم الانتحار الحل الوحيد لمشاكلها والراحة الفريدة من متاعبها، كل ذلك نتيجة تقلص الإيمان من القلوب واستيلاء الحيرة والتنكر عليها.

إن هذه الحالة البارزة الشاهرة لدليل قاطع على صدق من يقول من علماء المسلمين ومفكريهم في هذا العصر:

«إن الزمان قد استدار كهيئته حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فما أحوجه اليوم إلى [مثل] تلك الدورة الكبرى يقوم بها قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، محكمون لأمر الله، منجزون لوعده، حريصون على مرضاته، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، يرجون تجارة لن تبور».

إن بأمثال هؤلاء البررة المخلصين يعيد الزمان تاريخه الذهبي، ويتحقق وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين، كما تحقق في العصور الغابرة:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

اللهم أعنا على طاعتك، وجنبنا معصيتك، واهدنا لمرضاتك، وحقق لنا وعدك، وانصرنا على عدوك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

Loading Viewer…

يسعدنا تقييمك لهذا المقال

تقييم المستخدمون: 4.5 ( 1 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى