من صحائف الروّاد

المقال الثالث من مقالات الباروني في صحيفة الأسد الإسلامي: يوم المولد النبوي المقدس

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يوم المولد النبوي المُقَدَّس([1])

وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول على المشهور

هذا يومٌ بَرَز فيه سِرُّ النبوءة من عالم الخفاء إلى عالم الظُّهورِ، فسطع نوره المعنوي والحِسِّي، فأنار الوجود واهتزَّ له العالمان؛ العلويُّ والسُّفْلِيُّ، وسبَّحت به الملائكة المقرَّبون في الملكوتِ الأعلى، وقدَّسته الأرواح الطَّاهرةُ وكلُّ ما خلق الله من ناطقٍ وصامت إلى ما تحت الثَّرَى.

يومٌ تأسَسَّ فيه بناء النَّصْرِ المكين، والفتح المبين، وفتح فيه بابُ الهداية إلى الدِّين القويم؛ دين الله المتين.

وُلِدَ فيه مُنْقِذُ أمَّتِهِ من ظلام الشِّركِ وغباوة الجَهْلِ وعار عبادة الأصنام، ومُهديها إلى طريق السَّعادة بعبادة الرَّحمن نبيء الله ورسوله سيِّد المرسلين وإمام النبيئين، أشرف الخلائق أجمعين، سيِّدنا (محمد) بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وأصحابه الطَّاهرين.

فيه أظهر الله الخوارق وبَيَّنَ الآيات الجليلة لعباده، فاهتزت الكعبة بيت الله اهتزاز المستبشر المسرور، وقذفت الشياطين بشهب النجوم، وارتجَّ إيوان كسرى ملك الفرس حتى سقطت شرافاته الكبرى، وارتعدت الأسرة، وتساقطت الأصنام، ونُكِّسَتِ الصُّلْبَان، وفزع إبليس، وخمدت النِّيرانُ المجوسيَّةُ، وفاض وادي سماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وكان غير ذلك من باهر المعجزات ما حفظته التواريخ، وفيه أسرى به ربُّهُ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وفيه توفِّيَ وأغلق باب الرِّسالة والنبوءة؛ فهو يومُ فَرَحٍ بولادته، ويومُ حُزْنٍ بوفاته.

فهو جديرٌ بإحياءِ ليلته، وإشهار نهاره؛ لكن بالذِّكْرِ والعبادة ومحاسبة النَّفْسِ والتفكر فيما يحيي مجد دين هذا النبيء الكريم، والعمل لتقويته؛ لا باللهو والتظاهر بالفواحش، ومجاهرة الله بالمعاصي المنهيِّ عنها على لسان ذلك النبيء الصَّادق المنسوب إليه هذا اليوم السعيد.

ولو كنَّا في أيَّام سيادة هذا الدِّين، وإرهابه الخافقين، واستعباده البرين، وقبضه على أزمة البحرين؛ لأقمنا في مثل هذا اليوم احتفالات أكبر مما كان، وتظاهرنا إعجابًا بصولتنا واستبشارًا بمحافظتنا على شعائره، ولنا الحقُّ ولا نُعاب، ولكننا الآن في حال يحقُّ لنا أن نذكر في هذا اليوم مصيبة وفاته -صلى الله عليه وسلم-؛ ورزيَّةَ فقده، فنتوجع مما ألمَّ بدينه بعده، ونتأوَّه لما ناله من الإهانة وحده، ونبكيه بكاء الثَّكْلَى، ونسيل الدُّمُوعَ أسفًا، ونجرح الخدودُ حزنًا وحسرة، ونقول فيه كما قيل؛ رثاءً:

قم يا مُحمَّدُ يا ختامَ المرسلين

وابصر بعينك كيف حال المؤمنين

 

تجد الأمور تحوَّلت عن حالها

والدِّين في عهد السياسة قد أُهِين

 

حلَّ الحرامُ بلا نصوصٍ تقتفى

واستهزأ العاصي بحال المتقين

 

واستفحل الجُهَّالُ واشتدَّ البلا

واستصغر العلماء حزب الأميين

 

الخمر في سوق التجارة رائجٌ

أما الخنا فغدا شعار العالمين

 

عيبَ امرؤ قال الصلاة فريضة

والصوم ضاع وحرم الحج الثمين

 

هذا الزِّنا أبوابه مفتوحة

أما الرِّبا فتجارة المستسعدين

 

آهٍ بمولدك الشريف تنوعت

طرق المعاصي في بلاد المسلمين

 

لا نهي بل لا أمر بل لا مُنْتَهى

حار الدَّليلُ وخار حزمُ المرشدين

 

من ذا لدينك يا (مُحمَّد) ناصرٌ

(والله أسدى أجره للمحسنين)

 

غير الخليفة في الورى سلطاننا

من آل عثمان أمير المؤمنين

 

فليبذل الجهد الجهيد مؤدِّيًا

حقًّا لينصر في [دفاع]([2]) المجرمين

 

آمين.

يراجع كلُّ عاقل منا حافظته ليفرز من بين مخبآتها ما شاهده في مثل هذا اليوم أثناء سياحاته إن ساحَ في كثير من البلاد الإسلامية، خصوصًا؛ مصر وتونس وما أشبههما، فلا إخالُهُ يجد من ذلك إلا ما تشمَئِزُّ النَّفْسُ من ذكره، وتأنف الأذن من سماعه، وتتأذَّى العين من رؤيته؛ من هتك أستار الحياء، وخرق سياج المروءة، وارتكاب كلِّ موبقة وفاحشة في سبيل احترام هذا اليوم وتعظيمه على زعم من يرى [ذلك]([3]) احترامًا.

فكأنه (حاشاه) يوم تحليل المحرمات وإباحة المنكرات.

أما طرابلس الغرب وكثير من البلاد العثمانية، فلها الفخر بطهارتها من مثل هذه الأمور حسبما شاهدناه بهمَّةِ ولاة الأمور وأعيان البلاد، لولا ما فيها كما في كثير من بلاد الإسلام من طواف أرباب الطرق في الشوارع ومعهم الألوف من السفهاء والأسافل بصورةٍ لا يُبيحها الشرع الشريف، ويأباها كلُّ ذي غيرة على الدِّين، وحميَّةٍ على محافظة شرف الملة، وقدر هذا اليوم السعيد.

ولو حسَّنَ مشايخ الطرق تلك الكيفية المعلومة؛ فطهَّروها من دنس العيوب، وأجروها على قانون يقبله الشرع ويرضي صاحب هذا اليوم -عليه السلام-؛ لحازوا الثناء الجميل، وسلموا من الخَدْشِ والتقريع، وخلت سمعة الدين من شائبة تقبيحِ الغير إيَّاهُ بذلك، (والله الهادي).

أعاد الله على الأُمَّةِ الإسلامية وخليفتها وعباد الله كافَّةً مثل هذا اليوم المبارك بالأمن والعافية وسعة الرِّزْقِ، ومنح الشفاعة كل متأهل لها. آمين.

 


([1]) صحيفة الأسد الإسلامي، العدد (2)، 13 ربيع الأول 1326هـ/ 14 أبريل 1908م.

([2]) في الأصل: تمزَّقٌ عند هذه الكلمة، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: انظر: زعيمة بنت سليمان البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد؛ للمجاهد الليبي سليمان الباروني، (1964م، مطابع الاستقلال الكبرى-القاهرة)، (ص37).

([3]) في الأصل: تمزَّقٌ في هذه الكلمة، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص37).

Loading Viewer…

يسعدنا تقييمك لهذا المقال

تقييم المستخدمون: 3.46 ( 5 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى