القرآن الكريم أنموذجًا صوتيًا لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

سعيد بن سالم بن سعيد آل ثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فقد كانت ولا زالت اللغة العربية مقصدًا تعليميًا لملايين الدارسين من غير الناطقين بها، لأسباب دينية وثقافية وعلمية وحضارية. وقد يواجه متعلمو اللغة العربية من غير الناطقين بها تحديات متعددة، لعلّ من أبرزها – وهو أول ما يجب أن يتقنه – اكتساب النظام الصوتي للغة العربية، لما يتميز به من أصوات فريدة لا توجد في كثير من اللغات الأخرى، مثل بعض مخارج الأصوات الحلقية، والأصوات المفخمة والمرققة، وصفات الحروف المميزة والمحسنة.
ولوجود هذه التحديات، كان لا بد من البحث عن نماذج صوتية أصيلة تساعد المتعلم على إدراك الأصوات العربية ونطقها نطقا صحيحًا بعيدا عن اللحن. ويُعدّ القرآن الكريم، بما يمتاز به من ضبط دقيق للأصوات ومخارج الحروف وصفاتها، أنموذجًا صوتيًا فريدًا يمكن توظيفه في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، “فقد أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين، ونظمه من الحروف التي في حكمتها عبرة للمعتبرين، ودلالة للمتوسمين، إذ قد استولت مع قلتها على جميع لغات العرب مع اتِّساعها في الخطب والكلام والأشعار”[1] ، وقد بحث العلماء كيفية إنتاج ونطق الأصوات في علم مستقل وهو علم التجويد.
فإلى أي مدى يمكن توظيف القرآن الكريم بوصفه أنموذجًا صوتيًا في تعليم الأصوات العربية للناطقين بغيرها؟ وما أوجه الإفادة الصوتية والتعليمية من التلاوة القرآنية في هذا المجال؟
يهدف هذا المقال إلى إبراز مكانة القرآن الكريم كأنموذج صوتي أصيل، وبيان دوره في تعليم النطق السليم للأصوات العربية، مع تسليط الضوء على الجوانب التطبيقية التي يمكن الإفادة منها في برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها.
أولًا: الأصوات اللغوية وأهميتها في تعليم العربية للناطقين بغيرها
يُعدّ علم الأصوات بفروعه الثلاثة من العلوم اللغوية الأساسية التي تُعنى بدراسة الأصوات من حيث إنتاجها وانتقالها وإدراكها. وتمثل الأصوات الأساس الأول في تعلم أي لغة، إذ لا يمكن للمتعلم أن يتقن المهارات الأساس الاستماع أو التحدث أو حتى القراءة والكتابة دون أن يمتلك قدرة صوتية سليمة، وإلى هذا يشير الدكتور عبد الرحمن الفوزان في قوله: “إن التدريب على نطق أصوات اللغة هو المدخل الصحيح، والطريق الأمثل لتعلم اللغة الأجنبية وإتقانها؛ فمهما كان لدى الدارس من الحصيلة من المفردات والقواعد والتراكيب ومعرفة السياقات، يبقى قاصرا عن أداء اللغة الثانية ما لم يتقن نطق أصواتها”[2].
وتكتسب الأصوات اللغوية أهمية خاصة في تعليم العربية للناطقين بغيرها، نظرًا لخصوصية النظام الصوتي العربي، الذي يتميز بـ:
- تنوع مخارج الحروف (الجوف بمخرجه، وأحرفه الثلاثة، الحلق بمخارجه الثلاثة، وأحرفه الستة، اللسان بمخارجه العشرة، وحروفه الثمانية عشر، الشفتان بمخرجيهما، وأحرفه الأربعة، الخيشوم بكونه مخرجا للغنة).
- تعدد صفات الحروف التي تصل إلى سبع عشرة صفة على القول المشهور، وكل حرف لا بد أن يتصف بأربع صفات على الأقل.
- وجود صفات محسنة للحرف تعطيه رونقا وجرسا، وصفات مميزة للحرف تميز بين الحروف التي تشترك في المخرج.
- وجود أصوات لا نظير لها في كثير من اللغات الأخرى، مثل: (ع، ح، ص، ض، ط، ظ). “وأصعب الأصوات على الدارس تلك الأصوات التي لا مثيل لها في لغته الأم؛ فالجهاز النطقي للغة الأم، وما يرتبط به من العادات النطقية يشكل صعوبة كبيرة؛ للمتعلم غير الناطق باللغة، مما يتطلب كثيرا من العناية والتدريب؛ ولأنه قد تعود سماع أصوات لغته الأم منذ صغره ولم تكن أذنه تسمع إلا تلك الأصوات لذا وجب أن يدرب مثل هذا الطالب على التمييز السمعي بصورة مكثفة بين أصوات العربية وأصوات لغته الأم لكي يدرك الفرق بينهما”[3]
- ثبات الأصوات العربية وبقاؤها على ما هي عليه دون تبديل أو تغير على مر العصور والأزمان، والسر في ذلك يعود إلى وجود منهج موحد ثابت يقرأ بطريقة واحدة لكل المسلمين “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر: 9)
- توجد في اللغة العربية ظواهر صوتية مثل النبر (الضغط على صوت معين بحيث يصبح أعلى مما جاوره بقليل)، والتنغيم (تغير في مستوى الصوت بحيث يدل كل مستوى على معنى مختلف كالاستفهام والتعجب)
- يوجد في اللغة العربية ستة أصوات صائتة (حروف المد، والأصوات القصيرة)، وهذه الأصوات القصيرة قد تقتصر على اللغة العربية فقط.
وغالبًا ما يقع المتعلم الأجنبي في أخطاء صوتية ناتجة عن التداخل اللغوي بين لغته الأم واللغة العربية، مما يستدعي الاعتماد على نماذج صوتية دقيقة ومتقنة لتصحيح هذه الأخطاء وخير ما يمثل هذه الأصوات الدقيقة والمتقنة هو كتاب الله تعالى.
ثانيًا: القرآن الكريم وخصائصه الصوتية
يمتاز القرآن الكريم بخصائص صوتية جعلته في مقدمة النصوص العربية من حيث الضبط والدقة، ومن أبرز هذه الخصائص:
- الضبط الصوتي الكامل؛ فقد نُقل القرآن الكريم تواترا بالتلقي والمشافهة، مع عناية فائقة بالحركات والسكنات ومخارج الحروف وصفاتها، مما جعله نصًا محكمًا صوتيًا. فالإخلال بشيء من حركاته أو سكناته أو أصواته يعد لحنا يجب على التالي لكتاب الله تعالى تجنبه.
- النموذج الصوتي المعياري، فالتلاوة الصحيحة للقرآن الكريم بتطبيق القواعد التي وضعها علماء التجويد تمثل أنموذجًا معياريًا للنطق العربي الفصيح، بعيدًا عن اللهجات المحلية والانحرافات الصوتية؛ وهذا ما يشير إليه الإمام أبو مزاحم الخاقاني بقوله:
زن الحرف لا تخرجه عن حد وزنه فوزن حروف الذكر من أفضل الذكر[4]
وقال السخاوي:
للحرف ميزان فلا تك طاغيا فيه ولا تك منقص الميزان[5]
- الإيقاع والنبر والتنغيم، يتميز الأداء القرآني بتنغيم صوتي وإيقاع يساعد المتعلم على تحسين مهارة الاستماع وضبط النبر والتنغيم في اللغة العربية، وقد بحث العلماء هذا الموضوع في باب المشددات، مثل: الوقف على كلمة “الحيِّ ” ونطق كلمة “القوَّة، دابَّة”، والوقف على المد المتصل متطرف الهمزة مثل: “السماء”[6].
ولتطبيق الخصائص الصوتية التي يتميز بها القرآن الكريم وحفظ هذه الأصوات اهتم بها علماء المسلمين ودونوها في مؤلفات مستقلة وعلم مستقل وهو علم التجويد، فعلم التجويد علم صوتي تطبيقي يعالج كيفية نطق الحروف العربية نطقًا صحيحًا من حيث: مخارج الحروف، وصفاتها، وما يطرأ لها بسب التركيب، مثل: أحكام النون الساكنة والتنوين، والمدود، والتفخيم والترقيق، والوقف والابتداء.
ثالثًا: مواطن توظيف القرآن الكريم في تعليم العربية للناطقين بغيرها
يمكن توظيف القرآن الكريم في تعليم الأصوات العربية للناطقين بغيرها من خلال عدة جوانب تعليمية، من أبرزها:
- تعليم مخارج الحروف إذ هي الركن الأول من أركان علم التجويد والركن الرئيس في علم الصوت فالتلاوة الصحيحة المحكمة أداءً تساعد المتعلم على إدراك مخارج الحروف إدراكًا عمليًا، خاصة الحروف الصعبة بعيدة المخرج مثل: الحروف الحلقية (الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء)، والأصوات غير الموجودة في لغة المتعلم.
2- تعليم الركن الثاني من أركان علم التجويد وهو الصفات فهي “كيفيات ثابتة للحرف عند حصوله في مخرجه”[7] وإلى أهمية المخارج والصفات يشير الجريسي في كتابه نهاية القول المفيد قائلا: “فالمخارج للحروف بمثابة الموازين تعرف بها مقاديرها، والصفات بمثابة الناقد الذي يميز الجيد من الرديء”[8]، ومن خلال الاستماع المتكرر والتقليد الصوتي، يكتسب المتعلم القدرة على التمييز بين الأصوات المتجانسة، مثل (س/ص) و(ت/ط). والأصوات المتقاربة مثل (ق/ك) والأصوات المفخمة المطبقة (ص، ض، ط، ظ).
3- تصحيح الأخطاء الصوتية الشائعة، فالقرآن الكريم يساعد في معالجة كثير من الأخطاء الصوتية، مثل: استبدال الأصوات العربية بأصوات قريبة من اللغة الأم، والخلط بين التفخيم والترقيق، وضعف إخراج الحروف من مخارجها الصحيحة. لأن علماء التجويد عندما ألفوا في هذا العلم كان الهدف القضاء على اللحن، لذلك درسوا الأصوات اللغوية أولا في مجال الإفراد لمعرفة الخصائص الصوتية لكل صوت، ثم درسوا هذه الأصوات في مجال التركيب والانضمام، فمتعلم الأصوات اللغوية يجد ضالته في تعلم أصوات القرآن الكريم مفردة ومركبة، بتعلم نطق أصوات الحروف، أو نطق أسمائها مثل نطق الحروف المقطعة.
- تنمية مهارتي الاستماع والنطق، فالتلاوة القرآنية وسيلة فعالة لتنمية مهارة الاستماع، لما تتميز به من وضوح صوتي وتنغيم منتظم، مما ينعكس إيجابًا على مهارة النطق والطلاقة الشفوية. فتجد تلاوة القرآن الكريم منضبطة بكيفية واحدة؛ لذلك يمكن أن يقيس عليها المتعلم مستواه في تعلم الأصوات ونطقها.
- الجانب النفسي والتحفيزي، للقرآن الكريم أثر نفسي إيجابي لدى كثير من متعلمي العربية، خاصة المسلمين منهم، حيث يعزز الدافعية ويخلق ارتباطًا وجدانيًا باللغة، مما يسهم في تسريع عملية التعلم.
رابعًا: آليات توظيف القرآن الكريم في تعليم الأصوات
لتحقيق الفائدة القصوى من القرآن الكريم بوصفه أنموذجًا صوتيًا، يمكن اعتماد الآليات الآتية:
- اختيار معلم متقن وضابط لقواعد التجويد؛ لأن أصوات القرآن الكريم تؤخذ بالمشافهة. قال مكي: “ينبغي لطالب القرآن بعد إخلاص طلبه لله أن يَتَحَفَّظ في نقله وينقله عن ثقة يرضى حاله وعلمه ودينه”[9] ، وقال أيضا: “يجب على طالب العلم أن يتخير لقراءته ونقله وضبطه أهل الديانة والصيانة والفهم في علوم القرآن والنفاذ في علم العربية، والتجويد بحكاية ألفاظ القرآن”[10].
- اختيار مقاطع قصيرة تركز على أصوات معينة.
- الاستماع والإنصات مع شرح مبسط لمخارج الحروف. ويمكن استعمال طريقتي العرض والتلقين، بحيث يقرأ المعلم ويعيد الطالب ما سمعه من معلمه، ثم يشرح المعلم حكما صوتيا ويكرره الطالب.
- التدريب على التكرار والمحاكاة الصوتية، حيث يعتبر هذا من أركان علم التجويد وإليه يشر ابن الجزري بقوله وليس بينه وبين تركه إلا رياضة امرئ بفكه[11]، إذ “الفرق بين المجود وغيره ليس إلا الرياضة بالفك واستعماله شيئا فشيئا، السماع من أفواه القراء إلى أن يحصل التمرن والرسوخ في ذلك”[12]
- المقارنة بين نطق المتعلم والنطق القرآني الصحيح.
- الاستفادة من التسجيلات الصوتية للقراء المتقنين.
والخلاصة أن القرآن الكريم يمثل أنموذجًا صوتيًا أصيلًا ومتكاملًا يمكن الإفادة منه في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ولا سيما في مجال الأصوات اللغوية. وقد أظهرت الخصائص الصوتية للقرآن الكريم، المرتبطة بعلم التجويد، قدرة عالية على معالجة الصعوبات الصوتية التي تواجه المتعلمين الأجانب.
كما بيّن المقال أن توظيف التلاوة القرآنية في تعليم العربية يسهم في تحسين النطق، وتنمية مهارات الاستماع، وتعزيز الدافعية لدى المتعلمين، شريطة أن يتم ذلك وفق أسس تربوية ومنهجية تراعي مستوى الدارسين وأهدافهم التعليمية.
وفي ضوء ذلك، يوصي الكاتب بضرورة إدماج النص القرآني والتلاوة المعيارية[13] ضمن مناهج تعليم العربية للناطقين بغيرها، بوصفه موردًا لغويًا وصوتيًا أصيلًا يسهم في تحقيق الكفاية الصوتية واللغوية لدى المتعلمين.
[1] – الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، مكي بن أبي طالب القيسي، دار عمار،ط6، 1432هـ/ 2011م، ص49
[2] – عبدالرحمن بن إبراهيم الفوزان، إضاءات لمعلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها، 1431هـ، ص168
[3] – عبد الرحمن بن إبراهيم الفوزان، إضاءات لمعلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها، 1431هـ، ص171
[4] – أبو مزاحم موسى بن عبدالله الخاقاني، القصية الخاقانية، مكتبة أولاد الشيخ للتراث البيت 26، ص4.
[5] – السخاوي، متن نونية السخاوي في التجويد البيت الخامس، ص2.
[6] – أيمن سويد، التجويد المصور،الجزء الثاني،دار الغوثاني، ص404.
[7] – سعيد بن سالم آل ثاني، تجويد الحروف، المستوى الأول، ص93
[8] – محمد مكي نصر الجريسي، نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن المجيد، دار الصحابة للتراث بطنطا، ص71
[9] – مكي بن أبي طالب القيسي، الرعاية، ص84
[10] مكي بن أبي طالب القيسي، الرعاية، ص89
[11] – اب الجزري، منظومة الجزرية البيت 33
[12] – غانم قدوري الحمد، الشرح الوجيز على المقدمة الجزرية، مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد لإمام الشاطبي،ص63
[13] – أي التلاوة التي تكون وفق القواعد والضوابط التي وضعها علماء التجويد
Loading Viewer…
يسعدنا تقييمك لهذا المقال



