Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
الفقه وأصوله

النظـم الفقهـي في عُمـان

عبد الله بن سليمان المسروري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

إنَّ قيمةَ التراث العلمي ليست فيما خلّفه من مدوّناتٍ وتصانيف فحسب، بل فيما يكشفه من طرائق بناء المعرفة ومسالك ترتيبها وكيفية عرضها؛ إذ قد تتشابه العلوم في موضوعاتها وتختلف في بنيتها، ويكمن الفرق في الهيئة التي تُصاغ بها المسائل، والكيفية التي تُتداول بها بين أهلها ترتيبًا وتنظيمًا وتصنيفًا.

ومن هذا الوجه يُنظر إلى النظم الفقهي بوصفه اختيارًا منهجيًا في العرض العلمي، لا مجرد قالب أدبي، تتداخل فيه مقتضيات التعليم واعتبارات الضبط ومحاولات الشمول والإحاطة، حتى يغدو المنظوم بناءً له منطقه وشروطه الخاصة، وليس تابعًا للنثر.

وإذا كان النظم قد عُرف في عموم البيئات العلمية كالمتون المشهورة والأراجيز، فإن التجربة العُمانية تُظهر حضورًا واضحًا في هذا الفن من حيث كثافته وامتداده وتنوّع مستوياته، فالعمانيون أشربوا حب الشعر حتى تضوعوا منه كتابةً وأدبًا وتعليمًا، بما يدعو إلى إعادة قراءته قراءةً تتجاوز الحصر والوصف إلى تحليل البنية واستجلاء الغايات، ثم تتبع تحوّله بين ما وصل إلينا محفوظًا وما انقطع خبره وبقي أثره.

ومن هنا يتجه هذا المقال إلى محاولة فهم ودراسة النظم الفقهي في عُمان قديمًا وحديثًا، من زاويةٍ تجمع بين النظر في أمثلة بارزة من التراث العماني، وتحليل العلاقة بين النظم وغيره من أشكال التأليف -لا سيما الموسوعي منها- للكشف عن موقعه في الخريطة المعرفية العمانية.

تمهيد: في مفهوم النظم الفقهي

إنَّ النظم الفقهي ليسَ مجرد تحويلٍ للعبارة المنثورة إلى صيغةٍ موزونة، بل هو – في حقيقته- اختيارٌ وإعادةُ بناء؛ إذ يقتضي من الناظم أن يختزل ويرتّب ويربط ويوازن بين دقة المعنى واقتصاد اللفظ، ومن هنا كان الفرق بين نظمٍ يُجري الألفاظ على أوزانها، ونظمٍ يُعيد تشكيل المادة العلمية ضمن نسقٍ جديد، فالنظم في درجته الأولى: وسيلةُ ضبطٍ وحفظ، يُقصد بها تقريب العلم للطالب، وتيسير استحضاره.

وفي درجته الثانية: يصبح بنيةً معرفيةً موازيةً للنثر، تُعيد ترتيب نفس الأبواب، وتُبرز علاقاتٍ بين مسائل قد لا تظهر في المطوّلات بسبب طول النَّفَس النثري وتفصيلاته، وهذا التحول من الوسيلة إلى البنية هو مفتاح فهم هذه الظاهرة في عُمان، إذ لا يكفي تفسيرها بالحاجة التعليمية وحدها، بل يلزم النظر فيها لكونها بناءً منهجيًا في التراث الفقهي.

أولًاً: أبرز أمثلة النظم الفقهي في عُمان

قبل الشروع في تحليل هذه الظاهرة من حيث بنيتها ووظيفتها، يحسن الوقوف على أبرز نماذجها في التراث العُماني؛ إذْ مِن المُهمِّ مِن أجْلِ فَهْمِ أيِّ مسارٍ علميٍّ استحضارُ نصوصِه التي تمثِّله، والمقصود من هذا العرض ليس استقصاء الأعمال ولا تتبع تراجم مؤلفيها، وإنما الإشارة إليها عمومًا لتكون مدخلًاً إلى التحليل اللاحق، وسيُكتفى هنا بذكر طائفةٍ من المنظومات التي تمثّل سِمات الظاهرة: من المختصرات التعليمية، إلى المنظومات الممتدة التي قاربت الاستيعاب، مع التنبيه على ما بينها من فروقٍ في البنية والأسلوب، وبعض تلك المنظومات الممتدة تعتبر مثالًاً لتحوّل النظم من الاختصار إلى الاستيعاب، إذ  سعت إلى جمع أبواب الفقه ضمن نسقٍ شعري واحد، مع تفاوتٍ في درجة التفصيل، في حين بقيت منظوماتٌ أخرى في حدود التقريب والتعليم، محافظةً على الإيجاز ومكتفيةً بالإشارة دون بسط، ومن أشهرها:

١. ديوان العلامة الفقيه أبي بكر أحمد بن النضر العماني (ق٦هـ): المسمّى بالدعائم وهو ديوان له قبول وانتشار واسع في الأوساط العلمية، إذ إنه حوى بنظم يسير كثيرًا من المسائل التي تطول بها الموسوعات المنثورة في لفظ واضح مبين، فكثرت شروحه بين أهل العلم، وممن شرحه: العلامة محمد بن وصاف (ق٦هـ)، والشيخ خلف بن أحمد الرقيشي (ق ١١ هـ)، وقطب الأئمة (ت ١٣٣٢هـ) وغيرهم([1]).

٢. أشعار عبد الله بن عمر بن مبارك الشقصي (ق١٠هـ)([2]).

٣. أراجيز عبد الله بن مبارك الربخي (ق١٣هـ).

٤. أرجوزة الشيخ سالم بن سعيد الصائغي (ق١٣هـ)، المسمّاة بدلالة الحيران.

٥. منظومات الإمام نور الدين السالمي (ت١٣٣٢هـ) وأشهرها: جوهر النظام في الأديان والأحكام: الذي اشتهر اشتهارًا واسعًا بين العمانيين لسهولة عبارته وحفظه، وما زال العمانيون يتلقونه بالقبول والحفظ والشرح، وهي أرجوزة في بضعة عشر ألف بيت، بناها الإمام السالمي على أرجوزة الصائغي وتعقب ما فيها من تطويل وحشو، فضبط نظمها وأضاف فيها وحذف([3])، ومنظومة مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال: الذي نظم فيها مختصر الخصال للإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي (ق ٦هـ)، وهي أرجوزة مختصرة تزيد عن ٢٠٠٠ بيت بقليل([4]).

٦. منظومة للشيخ عامر بن خميس المالكي (ت ١٣٤٦هـ) المسماة بغاية المرام في علمي الأديان والأحكام، وله أجوبة منظومة في كتاب الدر النظيم([5]).

٧. منظومة للشيخ خلفان بن جميّل السيابي (ت ١٣٩٢هـ): المسماة بسلك الدرر الحاوي غرر الأثر([6]).

٨. منظومة للشيخ سالم بن سيف الأغبري (ت ١٣٩٩هـ): المسماة العقد الثمين في نظم التلقين، نظم فيه كتاب تلقين الصبيان للنور السالمي في ١١٢٠ بيتًا(

٩. موسوعة نظمية للشيخ محمد بن شامس البطاشي (ت ١٤٢٠هـ): المسماة بسلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب، تجاوزت ١٢٠ ألف بيت([8]).

١٠. منظومات للشيخ سالم بن حمود السيابي (ت ١٤١٢هـ)، منها: العقود المفصّلة في الأحكام المؤصّلة([9])، ومعالم الإسلام في الأديان والأحكام([10]).

١١. منظومات للشيخ سعيد بن خلف الخروصي (ت ١٤٣٨هـ)، منها: نظم كتاب الوضع، وإحكام الصنعة في أحكام الشفعة، ومعالم التبيين في الإقرار والبيان واليمين، ومجموعة أجوبة منظومة في كتاب الدر المنتخب في الفقه والأدب([11]).

ثانيًا: النظم الفقهي في عُمان قديمًا (بين الظهور والترسّخ)

إذا تتبّعنا بدايات النظم الفقهي في البيئة العُمانية، وجدناه متصلًاً بحركة التأليف العام، التي سعت إلى ضبط الفقه وتقريبه، خصوصًا في البيئات التي يغلب فيها التعليم الشفهي، وتحتاج إلى أدواتٍ تحفظ العلم من التشتّت.

غير أن اللافت في التجربة العُمانية ليس مجرد وجود النظم بل استمراره واتساعه، حتى صار مسارًا معتمدًا في عرض الفقه، وليس مجرد تجربة فردية، وهذا يدل على أن النظم لقي قبولًاً في الأوساط العلمية، واستُخدم بكثرة لكونه أداةً فعّالة في نقل المعرفة.

ومن خلال ما ذُكِر من النماذج، يمكن ملاحظة أمورٍ ثلاثة:

  1. الالتزام بالترتيب الفقهي المعتاد:

إذ تبدأ المنظومات الشاملة غالبًا بالعبادات، ثم المعاملات، فغيرها من الأبواب، وهو ما يدل على ارتباطها بالبنية الفقهية العامة.

  1. الاقتصاد في العبارة:

حيث تُحمَّل الألفاظُ أكثر من معنى، ويُكتفى بالإشارة بدل التفصيل، مما يجعل النصّ قابلًا للشرح والتوسّع.

  1. الاعتماد على مادةٍ سابقة:

فالنظم – في الغالب – لا يُنشأ من فراغ، بل يقوم على تلخيصٍ أو إعادة صياغةٍ لمصادر نثرية، مع تفاوتٍ في درجة التحرير والإضافة، كما هو الحال في الجوهر والمدارج.

وهذه السمات تدل على أن النظم القديم كان جزءًا من منظومةٍ تعليميةٍ ومعرفيةٍ متكاملة، لا نصًّا مستقلًاً تمام الاستقلال.

ثالثًا: بين المفقود والموجود (قراءة في فجوات التراث)

لا يمكن الحديث عن النظم الفقهي في عُمان دون الالتفات إلى ما فُقد منه؛ فإن ما وصل إلينا – على كثرة بعضه – لا يمثّل إلا جزءًا من الصورة، في حين شير النقول والإحالات وذكر المؤلفات في التراجم والموسوعات إلى وجود أعمالٍ لم تصل، أو وصلت ناقصة، وهنا تبرز قضية المفقود لكونها فجوة في فهم التطوّر العلمي؛ إذ قد تكون بعض التحولات في المنهج أو الأسلوب قد وقعت في نصوصٍ لم تصل إلينا، فنقرأ التاريخ قراءةً مجتزأة.

ومن أبرز ما يمكن استنتاجه في هذا الباب:

  • أن النظم كان أوسع انتشارًا مما نملكه اليوم.
  • أن بعض المنظومات كانت تُتداول شفهيًا أو في نسخٍ محدودة، فلم يُكتب لها البقاء.
  • أن ما بقي في بطون المصنّفات النثرية من اقتباساتٍ أو إشارات، يمكن أن يكون خيطًا تتبّعه يقود لإعادة رسم جزءٍ من هذه الصورة.

وبهذا يظهر أن دراسة النظم لا تقتصر على الموجود، بل تمتدّ إلى تحليل آثار المفقود، ومحاولة فهمه من خلال ما بقي من شواهده.

رابعًا: النظم الفقهي المتأخر في عُمان (بين الامتداد والتحوّل)

في العصور المتأخرة، يبرز تطوّرٌ ملحوظ في النظم الفقهي، يتمثل في اتساع حجمه، وازدياد طموحه، حتى ظهرت منظوماتٌ طويلة قاربت – في مجموعها – استيعاب أبواب الفقه، بل تعدّت ذلك إلى تفصيلٍ ملحوظ كسلاسل الذهب وسلك الدرر والعقود المفصّلة وغيرها، وهذا التحول يطرح سؤالًاً: هل بقي النظم في هذا الطور وسيلةً تعليمية، أم تحوّل إلى موسوعيةٍ شعرية؟

والذي يظهر أن النظم في هذه المرحلة جمع بين الأمرين:

  • من جهةٍ: حافظ على وظيفته التعليمية، من حيث سهولة الحفظ والترتيب.
  • ومن جهةٍ أخرى: اقترب من الوظيفة الموسوعية، من حيث السعي إلى الإحاطة، وجمع أكبر قدرٍ من المسائل.

وهذا الجمع بين الوظيفتين يدل على تطوّر في الوعي بالنظم، بحيث لم يعد مجرد اختصار، بل صار مشروعًا علميًا متكاملًاً، يستهدف ضبط الفقه وتيسيره في آنٍ واحد.

خامسًا: البنية المعرفية للنظم الفقهي

إذا تجاوزنا الوصف إلى التحليل، فإنه يمكن النظر إلى النظم الفقهي لكونه يقوم على عناصر محددة:

  1. الترتيب:

حيث تُنظَّم المسائل وفق نسقٍ معيّن، يراعي التدرّج من الكليات إلى الجزئيات.

  1. التكثيف:

إذ تُختصر العبارات، وتُدمج المعاني، بما يحقق الاقتصاد في اللفظ.

  1. الإحالة الضمنية:

حيث يُشار إلى قواعد أو مسائل دون بسطها، اعتمادًا على معرفةٍ سابقة.

  1. القابلية للشرح:

إذ يُصاغ النصّ بحيث يحتمل التوسّع، ويُبنى على طبقاتٍ من الفهم.

وهذه العناصر تجعل النظم ليس مجرد نصّ، بل نظامًا معرفيًا قابلًاً للتفكيك والتحليل، يكشف عن طريقة التفكير الفقهي، لا عن نتائجه فقط.

سادسًا: العلاقة بين النظم والموسوعية

من أبرز ما يلفت النظر في التجربة العُمانية اجتماعُ النظم مع التأليف الموسوعي، وهو اجتماعٌ لا ينبغي تفسيره بالتكرار، بل بالتكامل.

فالموسوعة النثرية تُعنى بالبسط، والتحليل، وذكر الأدلة، بينما يُعنى النظم بالتكثيف، والترتيب، وسهولة التداول، ومن هنا يمكن القول: إن النظم يمثل الوجه التداولي للموسوعية؛ إذ يُعيد تقديم المادة الموسوعية في صورةٍ مختصرة، قابلةٍ للحفظ والنقل.
وهذا يفسّر استمرار الظاهرتين معًا، دون أن تُغني إحداهما عن الأخرى.

سابعًا: الوظيفة العلمية والاجتماعية للنظم

لا يقتصر أثر النظم على الجانب العلمي، بل يتجاوزه إلى البعد الاجتماعي؛ إذ يشارك في:

  • نقل العلم بين الأجيال بصورةٍ سهلة.
  • تقريب الفقه إلى غير المتخصصين.
  • توحيد الفهم العام للمسائل وسرعة استحضارها.
  • تثبيت المرجعية في بيئةٍ يغلب فيها التعليم الشفهي.

بالإضافة إلى ما كان العمانيون يتسامرون به ويترنمون في مجالسهم من الشعر الفقهي، وهذا التداخل بين العلم والمجتمع يدل على أن النظم كان جزءًا من حياة العلم، لا مجرد نشاطٍ تأليفيٍّ معزول عن الواقع.

خاتمة

يتبيّن من خلال هذا العرض أن النظم الفقهي في عُمان ظاهرةٌ تتجاوز حدود الوسيلة التعليمية، لتغدو خيارًا في بناء المعرفة وتنظيمها، وقد تطوّرت عبر الزمن من اختصاراتٍ موجزة إلى منظوماتٍ ممتدة، قاربت الوظيفة الموسوعية، مع احتفاظها بخصوصيتها.
كما أن النظر فيها بين المفقود والموجود يكشف عن أن ما بأيدينا ليس إلا جزءًا من صورةٍ أوسع، تحتاج إلى مزيدٍ من الجمع والتحليل، لإدراك أبعادها الكاملة، ومن هنا فإن دراسة هذه الظاهرة لا تقتصر على إحياء التراث، بل تشارك في فهم منطلقات التأليف العلمي في البيئة العُمانية، التي تجمع بين الضبط والاختصار والانتشار، وتقدّم أنموذجًا جديرًا بالتأمل والبناء.

لتنزيل المقال اضغط هنا


([1]) الدعائم، أحمد بن النضر، ط٢، وزارة التراث القومي والثقافة: مسقط، ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.

([2]) مفتاح الباحث، سلطان بن مبارك الشيباني، ذاكرة عمان: مسقط، ١٤٣٦هـ – ٢٠١٥م.

([3]) جوهر النظام، عبد الله بن حميد السالمي، ط١، خزائن الآثار: مسقط، ١٤٤٥هـ-٢٠٢٤م.

([4]) مدارج الكمال، عبد الله بن حميد السالمي، ط١، خزائن الآثار: مسقط، ١٤٣٧هـ – ٢٠١٦م.

([5]) الدر النظيم، عامر بن خميس المالكي، د.ط، وزارة التراث القومي والثقافة: مسقط، ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م.

([6]) سلك الدرر، خلفان بن جميل السيابي، ط٢، وزارة التراث القومي والثقافة: مسقط، ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.

([7]) العقد الثمين، سالم بن سيف الأغبري، ط١، خزائن الآثار: مسقط، ١٤٤٤هـ – ٢٠٢٣م.

([8]) سلاسل الذهب، محمد بن شامس البطاشي، وزارة التراث القومي والثقافة: مسقط، د.ت.

([9]) العقود المفصّلة، سالم بن حمود السيابي، د.ط، وزارة التراث القومي والثقافة: مسقط، ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م.

([10]) معالم الإسلام، سالم بن حمود السيابي، د.ط، وزارة التراث القومي والثقافة: مسقط، ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م.

([11]) الدر المنتخب، سعيد بن خلف الخروصي، د.ط، وزارة التراث القومي والثقافة: مسقط، ١٤٠٢هـ-١٩٨١م.

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: 4.25 ( 3 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى