Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
من صحائف الروّاد

المقال السابع من سلسلة مقالات أبي إسحاق:مملكة عمان – إمامة الصلت بن مالك الخروصي.

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

-7-

صفحة من تاريخ الإباضية:

مملكة عمان – إمامة الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله([1])

بويع يوم الجمعة قبل غروب الشمس لستة عشر خلت من ربيع الثاني سنة (237)، وهو اليوم الذي مات فيه الإمام المهنا بن جيفر، قام ببيعته ثلة من العلماء الفخام، فيهم من أئمة العلم من لا يشق له غبار، وفي مقدمتهم العلامة الأكبر الإمام المحبوب محمد بن محبوب الذي انتهت إليه رئاسة العلم والاجتهاد، بايعوه على العمل بالكتاب والسنة والسير على نهج سابقيه من أئمة العدل الراشدين، فعمّر في الإمامة ما لم يعمره أحد قبله إذ كانت إمامته خمسة وثلاثين سنة وسبعة أشهر وأيامًا، فقام بالأمر خير قيام وبسط للأمة العدل، وخفض لرجال العلم جناح الذل مع رسوخه في العلم والدين ومكانته في الجد والاجتهاد والجهاد.

وفي عهده أغارتِ النّصارى على جزيرة (سقطرى)، وكانت تحتَ نفوذِ عُمان من قبل ومستعمرة له، فاحتلّوها وارتكبوا فيها من الفساد والخراب شيئًا عظيمًا، فاستنجد أهلها بالإمام، فأرسل إليهم من الجيوش والقوة ما كفل لهم الحماية من العوادي، وأنقذهم من مخالب الغاصبين، وقد أرسل في هذه الغزوة أسطولًا مركبًّا من مئة قطعة وقطعة، وأميرين: محمد بن عشيرة، وسعيد بن شملال، وإن حدث بأحدهما أمر فالآخر يتولى القيادة العامة، وأعدَّ لكلِّ طارئةٍ عِدَّتَها حتى لا يقع لجيوشِهِ فشل ولا اختلال، فكانت غزوته هذه مباركة ناجحة، وله فيها عهد إلى أمراء الجيش فيه ما يأتون، وما يذرون من جميع وظائف الدِّينِ والسياسة، وحكم الأسارى والغنائم، وسير الأحكام في الرعية بعد أن يستتب الأمن، ومعاملة الجند، والجباية، إلى غير ذلك من لوازم الدولة في الظعن والإقامة.

ولامرأة من أهل سقطرى اسمها (الزهراء) قصيدة تستنجدُ فيها بالإمام عندما داهم العدو البلاد، مطلعها:

ومنها:

قل للإمامِ الذي تُرجى فضائلُهُ
ابن الجحاجحةِ الشُّمِّ الذينَ هُمُ
أمست سقطرى من الإسلامِ مقفرةً
وبعد حيٍّ([1]) حلالٍ صار مُغتبطًا
لم تُبقِ فيها سنونُ المَحْلِ ناضرةً
واستبدلت بالهدى كفرًا ومعصيةً
وبالذراري رجالًا لا خلاقَ لهم
جارَ النّصارى على واليكَ وانتهبوا

يا ابن الكرامِ ويا ابن السادَةِ النُّجُبِ
كانوا سناها وكانوا سادةَ العربِ
بعدَ الشّرائِعِ والفرقانِ والكُتُبِ
في ظلِّ دولتهم بالمالِ والحسبِ
من الغصونِ ولا عودًا من الرطبِ
وبالأذانِ نواقيسًا من الخشبِ
من اللِّئامِ عَلَوا بالقهر والغلبِ
من الحريمِ ولم يألوا من السلبِ

ومنها:

ما بالُ صلتٍ ينامُ اللَّيلَ مضطجعًا
يا للرجالِ أغيثوا كلَّ مُسلمةٍ

وفي سقطرى حريمٌ باد بالنّهبِ
ولو حبوتم على الأذقانِ والرُّكبِ

وكلها استغاثةٌ بالإمام والمسلمين ووصف ما حلَّ بأهل الجزيرةِ من الشدائد وعظائم الأهوال.

وفي عهده؛ أصيبَ قسم كبير من عمان بعاصفة شديدةٍ لم يعهد لها مثيل، فطغى السيل حتى خرّب عدة بلاد، فخرج أهلها هاربين يهيمونَ على وجوههم بعد أن ذرى السيلُ منهم عددًا لا يُستهانُ به ساقَهُ التيّارُ الجارفُ إلى البحرِ، أو دفنه تحت الأنقاض.

ومن مفاخر هذا الإمامِ، توليتُهُ إمام العلم محمد بن محبوب قاضيًا بصحار، فإنَّ أمثالَ هذا العلم الشامخ، إذا كانت الوظائف العظيمةُ بأيديهم فإنَّ الإمام أو الأمير أو الملك لا شكَّ يكونُ قد وسّدَ الأمرَ إلى أهلِهِ، وفي ذلك من العدلِ ورعاية صالح الأمة ما ليس يخفى، إذ بمثل هؤلاء العلماءِ الأعلام تستقيمُ أمورُ الدّينِ وينتظمُ شملُ الأمة، وتعلو مكانتها؛ لأنهم يرونَ الحقَّ بالبصيرةِ، وهو فوق كل شيءٍ ولا يخافون فيه لومة لائم، ومن ولاته على صحار محمد بن الأزهر العبدي، ويظهر أنه من العلماء الفضلاء استبدل به أبا مروان أحد قواد الإمام المهنا وولاته، وهو من مشاهير رجال عمان.

وكان من كمال هذا الإمام التواضع العظيم، والاستنارة بآراء الحكماء، والاسترشادِ بأفهام العلماء، وفتح بابه لكل أحد من الأمة، وكأنه استعمل الحزم في الأمور الخارجية، والتساهل في الأمور الداخلية، ولما طالت إمامته وامتدَّ حكمه، وانتقل إلى رحمة الله أولئك الذين كانوا له قوة ويدًا، وهم أهل المعرفة بكمال الرجال، وعواقب الأمور وأهل البصيرةِ والإخلاص، فنشأ نشءٌ من الشباب لم يعرف من واجبات السياسة شيئًا، ولا من أساليب النّظام جزءًا، يتكلفون المعرفة والقدرة وهم من ذلك خلوّ؛ استضعفوا الإمام على ما يتبادر، وقوي التحزب، واستظهروا بآراء، وفيهم من له غاية طبعًا يريد أن ينالهم في حال عاصفة، وكان هذا الإمام الفخيم قد كبر وفقد القوة الجسمية، فقام من أولئك الأحداث من يعلنُ الشّغب والتهويش، وما أسرعَ ما تقوَّى حزبهم، وانضمّ إليهم بعض كبار العلماء مظهرًا النكران على الإمام، وأهل الحل والعقد في ثباتهم وولايتهم له ومؤازرتهم، ولما رأى الإمام عظم الأمر واستفحال الخطب، وخشي أن تحدث فتنة تنازل عن الإمامة وسلّم إلى أهل الرأي شعائرها.

والذي يتبادر بعد التأمل؛ أنّه فقد بعض التأييد، ورأى من بعض من يعتمد عليهم انخذالًا؛ وإلا فكيف يكون من الإمام -مع ما عرف به من أصالة الرأي ومكانة العلم والرسوخ في الملك- أن يتنازل عن الإمامةِ لمجردِ ثورانِ بعض الأحزاب؟ اللهم إلا أن يقالَ أنّه فعل ذلك فرارًا من انتشابِ الفتنة بعد اجتماع الكلمة، ووقوعِ الافتراقِ بعد الاتحاد.

وكانَ ممن ظهر في مقدمة الناقضين لبيعة الإمام العلامة موسى بن موسى بن علي، وهو أحد جهابذة العلم، بل جزم بعضٌ بأنه شيخ الإسلام يومئذ، فإنه سار إلى (نزوى) عاصمة الملك وبيت الإمامة، ومعه ثلة من العلماء يريد عزل الإمام، وبينما هم مجتمعون في (فرق) إذ بلغهم تنازل الإمام، فبادروا إلى مبايعة راشد بن النضر، فتفرّقت الكلمة؛ فمن الناس من استمرَّ على ولاية الإمام الصلت وبيعته، ومنهم من تولى موسى بن موسى ومن معه وراشدًا، ومنهم من توقف في الأمر، وفي كل فريقٍ من الثلاثة أئمة العلم والدين ممن تعنو لهم الرؤوس إجلالًا، ومن هنا التبس الأمر على من التبسَ فتوقف، والله أعلم.

وكان تنازل الإمام الصلت بن مالك رحمه الله يوم الخميسِ لثلاث خلون من ذي الحجة سنة (272)، فإمامته خمس وثلاثون حجة وسبعة أشهر وثمانية عشر يومًا، ومما هو جدير بالذكر أن بعضَ مؤرخي عمان ذكر مراجعة الإمام للذين اجتمعوا إليه يطلبون تنازله ويحتجون بكبره وعدم قدرته على القيام بأمر الدولة، فقال لهم الإمام: «أنظرُ في الأمر»، فلمّا عزم على التنازل أجمعَ أمره وحول أثاثه من بيت الإمامة إلى المحل الذي اختاره لمسكنه، وأرسل إليهم رسله بالتنازل، منهم الحسن بن سعيد، ومعه جمع من الشراةِ شهدوا: «أن الإمام أرسل الحسن بالتنازل بحضرتنا غير مجبور ولا مقهور»، ثم برز الإمام من بيت الإمامة إلى الناس فودَّعهم وداعَ تاركِ الأمر معتزل بنفسه عما كان فيه، وأمرهم بحفظ العسكرِ حتى ينظر المسلمون من يولُّوا أمرهم، وكان في المعسكر خلق كثير، فقال بعض المتكلمين: «أتترك إمامتك؟» فزعق([2]) بهم، ولم يلتفت إلى قولهم وكان أمره المسألة، فاعتزل وعاش بجوارهم إلى أن انتقل إلى جوار ربه رحمه الله وأقامه على جهاده بالروح والريحان.

القاهرة – أبو إسحاق إبراهيم أطفيش

لتنزيل المقال اضغط هنا


([1]) مجلة الزهراء، العدد (2)، 15 صفر 1344هـ، (ص118-121).

([1]) في الأصل: “حين”، وأثبت ما في التحفة. (م)

([2]) أي صرخ صراخًا شديدًا. (م)

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى