التربية الإيمانية في تنزيه الخالق سبحانه: مواقف تربوية من مدرسة الشيخ الخليلي

خالد بن أحمد بن صالح الطوقي
تميّزت المدرسة التربوية عند سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بعنايتها الفائقة ببناء العقيدة في النفوس، وربط السلوك والوعي بمعاني التوحيد والتنزيه، وضبط الألفاظ والممارسات بضوابط الشرع والأدب مع الله تعالى؛ إدراكًا من الشيخ بأن كثيرًا من الانحرافات الفكرية الكبرى تبدأ من التهاون في الألفاظ والمعاني، ومن هنا جاءت توجيهاته حازمة دقيقة عند الحديث عن الذات الإلهية، منبثقة من حرصه على جعل العلاقة بين المخلوق وخالقه قائمة على تعظيمه -سبحانه-، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله.
ومن المواقف الدالة على ذلك موقفه من بعض العامة الذين يتساهلون في إطلاق ألفاظ التحليل والتحريم دون مبالاة بخطورة ذلك، فقد نقل (الجهضمي) أن رجلًا نزل ضيفًا على الشيخ، فلما قُدمت القهوة آثره الشيخ بها، فقال الرجل: حرام آخذ قبلك. فغضب الشيخ، وأنكر عليه قائلًا: أتحرم ما أحل الله؟! من أين لك ذلك؟ والله -تعالى- يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل، 116)، ونصحه ألا يعود لمثلها[1]. لقد كان إنكار الشيخ لعلمه بما تنطوي عليه هذه اللفظة من تعدٍّ على حق التشريع الذي اختص به -تعالى- دون غيره من مخلوقاته.
لقد كان الشيخ شديد الحرص على تصحيح ما قد يعلق بعقائد الناس من تعلّق بالمخلوق أو نسبة التأثير إليه استقلالًا، فقد جاء رجل بمريض إلى الشيخ وطلب منه أن يقرأ عليه، وقال مخاطبًا الشيخ: أنتم تنفعون وتضرون. فغضب الشيخ، وقال له: إن الله هو النافع، وهو الضار وحده. فصحح له عقيدته انطلاقًا من قوله -تعالى-: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعراف، 188) [2]، ويكشف هذا الموقف عن حسّ عقدي مرهف لدى الشيخ؛ إذ كان يرى أن حماية التوحيد تبدأ من تصحيح المفاهيم المتداولة على ألسنة الناس.
ولم يقف اهتمام الشيخ بالتوجيه والنصح على عامة الناس، بل امتد إلى الأدباء والكتّاب والمثقفين، إيمانا منه بأن الخطأ إذا صدر من هؤلاء كان أشد أثرًا وأوسع انتشارًا، يذكر (الفلاحي) موقفًا حدث له في مجلس الشيخ عبدالله بن علي الخليلي بحضرة جمع من المشايخ والأدباء ومنهم الشيخ الخليلي، فقد قرأ الشيخ عبدالله على مسامعهم قصيدته “أشكو إلى الله” يستغيث فيها بالله عز وجل إبان اشتداد المرض عليه في سنواته الأخيرة، صدّرها بقوله:
شكوت إلى الله أحزانيه *** فأصغى إليَّ وأشكانيه
فأشار الشيخ الخليلي بأن كلمة “أصغى” غير مناسبة، ولا تليق بالذات الإلهية، يقول الفلاحي: فأفلتت مني عبارة ما كان ينبغي لمثلي أن يقولها أمام أولئك العلماء الأعلام، حيث قلت: إن الكلمة لا بأس بها، ولا حرج فيها، وأنها من المجاز الجائز في الشعر، وأدت قولتي هذه إلى ثورة الشيخ أحمد واشتداد غضبه، ثم إن الشيخ أوضح بأن الإصغاء يقتضي تكلف السماع، والله تعالى مُنزَّه عن ذلك، فهو سميع تنكشف له جميع المسموعات، فقام الشيخ عبدالله بتغيير الكلمة إلى “أوفى”، فاستحسن ذلك منه[3].
ويمتد هذا المنهج الدقيق إلى نقده لبعض الاصطلاحات الفكرية الحديثة التي قد تحمل إيحاءات غير منضبطة عقديا مع تقديره لأصحابها وإشادته بجهودهم، فعندما نقل كلامًا للأستاذ سيد قطب أورد فيه عبارة “طبيعة القدرة الخالقة”[4] عقّب عليه بقوله: “نتمنى لو كان الأستاذ أكثر دقة وأوسع احتياطًا عندما يتحدث عن الله -سبحانه وتعالى- وعن صفاته العظيمة، فكم كنا نتمنى أن يتفادى إضافة الطبيعة إلى الذات الإلهية أو صفاتها المقدسة.. فإن القدرة الإلهية كذاته سبحانه هي أجل من أن يشتمل عليها وصف الطبيعة..” وختم قوله بتوجيه ثمين، حيث قال: “وإنا لنهيب بالكتّاب المسلمين أن يحترزوا في تعبيرهم عندما يذكرون الله تعالى عن كل ما يشي بما ينافي كمال قدسه”[5].
وكذلك فعل مع الدكتور ياسر الجندي عندما وصف القوة الإلهية بأنها “عاقلة وذكية”[6]، فرغم أنه أكثر النقل منه في مصرع الإلحاد باعتباره أحد الباحثين الأكفاء الذين تصدوا للتيارات الإلحادية، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يوجه إليه نصحه وتوجيهه، يقول الشيخ: “ولكن ليته لم يصف القوة الإلهية بأنها عاقلة وذكية، فإن أصل العقل هو المنع.. ووصف العاقل بذلك؛ لأنه يحجزه عقله عن الوقوع في المهالك، والله أجلّ من أن يوصف بأن شيئا يحجزه عن شيء، فهو يوصف بالعلم والإدراك، ولا يوصف بالعقل، وأما الذكاء فهو من صفات الإنسان.. وهذا يعني أن الذكاء يعقب البلادة، وهو مما يجب تنزيه الله تعالى عنه، وإنما شاعت عبارة التصميم الذكي ونحوها في كلام الغربيين، وعلينا أن نحترز، وأن نعبر بما هو مشروع لنا في الدين”[7].
ومن أبرز مواقفه في هذا الباب تعقيبه على كتاب “مناجزة الإلحاد” الذي ألّفه الباحثان أحمد التميمي ومحمود المسلمي، فقد أثنى على الكتاب، وعدّه من أوسع ما جادت به القرائح، ودبجته الأقلام في مجال الرد على الإلحاد، ولكنه على الرغم من ذلك لم يدخر وسعا في النصح والتوجيه حين أبدى لهما ملحظا مهما، وتمنى منهما مراجعته بدقة، وهو عندما وصفا الله تعالى بأنه علة للمخلوقات، معتبرًا أنه قول باطل وإن كان شائعًا عند الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين؛ لما فيه من سلب الاختيار عن الله تعالى، ذلك لأن العلة تؤثر في معلولها بذاتها من غير اختيار، وهذا يؤدي إلى سلب صفة الاختيار عن الله تعالى، كما أن القول بالعلية يقتضي اقتران المعلول بعلته وجودًا وعدمًا، وبما أن وجود الله أزلي أبدي، فإن هذا القول سيجعل المخلوقات مقارنة له في الأزلية والقدم، وهو ما ينفي عنها وصف الخلق، ولذلك دعا المؤلفين إلى مراجعة هذه الاصطلاحات بما ينسجم مع عقيدة التنزيه وصفاء التوحيد[8].
إن المتأمل في هذه المواقف يدرك أن الشيخ الخليلي لم يكن يعالج مجرد أخطاء لفظية معزولة، بل كان يؤسس لمنهج تربوي متكامل يقوم على تعظيم الله تعالى، وصيانة جناب التوحيد، فالكلمة عنده ليست أمرا هامشيا، بل هي مرآة التصور العقدي، وإذا فسدت التصورات فسدت معها القيم والأفكار، وهذا نموذج فريد في التربية الإيمانية القائمة على تنزيه الخالق -سبحانه-، تربيةٍ تجعل تعظيم الله حاضرًا في الألفاظ كما هو حاضر في القلوب، وتغرس في النفوس أن الأدب مع الله -تعالى- ليس نافلة علمية، بل أصلٌ من أصول الإيمان، وسياج يحفظ العقيدة من الانحراف، لتبقى العقيدة نقية كما أنزلها الله -تعالى-: صفاءً في التصور، وتعظيما في الشعور، وأدبا في التعبير.
[1] ينظر: الجهضمي، زايد بن سليمان. (2003). من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، (ط2). (د.ن). ص97-98.
[2] ينظر: المرجع السابق. ص100.
[3] ينظر: الفلاحي، أحمد. (2023). الشيخ عبدالله الخليلي كبير أدباء عمان في زمنه. (ط1). بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص89-90.
[4] قطب، سيد. (1979). في ظلال القرآن. (ط8). القاهرة: دار الشروق. ج5، ص2977.
[5] الخليلي، أحمد بن حمد. (2019). مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان. (ط1). مسقط: الكلمة الطيبة. ج2، ص546-547.
[6] الجندي، فداء ياسر. (2016). العلم يؤكد شكوك داروين. (ط1). الرياض: دار الوعي للنشر والتوزيع. ص51.
[7] الخليلي. مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان. ج2، 89-90.
[8] ينظر: الخليلي. مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان. ج1، ص119-120.
Loading Viewer…



