الشيخ عبدالله بن سيف الكندي: الفقيه النَّخَليُّ[1]

المقداد بن خليل بن سليمان الكندي
أقاموا بظَهْرِ الأَرْضِ فاخضرَّ عُودُها
وحَلُّوا ببطنِ الأَرْضِ فاستوحَشَ الظَّهْرُ
بهذا البَيْت تطوي ولاية نخل؛ بل عُمَان، صَفَحاتٍ نيِّرَة لسيرة عَطِرَة؛ سيرة الشيخ الفقيه المربِّي عبدالله بن سيف بن محمد الكندي النخلي (1348-1447هـ/ 1930-2026م).
مولده وعائلتُهُ ونشأته
الشيخ الفقيه الشاعر المربِّي عبدالله بن سيف بن محمد بن خلفان بن سيف بن ناصر بن سيف بن عدي الكندي النخلي؛ من بني كندة النخليين.
وُلِدَ الشَّيْخُ الكريم في ديار أخوالِهِ في محلَّةِ «ردَّةِ الكنود» بـ«سمد نزوى» ما بين سنتي (1348-1349هـ/ 1930م)([2])، وكان يُرَاوِحُ بين ديارِهِ في محلَّة «الغريض» بـ«ولاية نخل»، وبين ديار أخوالِهِ في «سمد نزوى».
كان والدُهُ جوادًا كريمًا، قال الشيخ الخصيبي (ت1410هـ): «وكانت تأخذه أريحيَّةٌ إذا قام بإكرام الضَّيْفِ»([3])، ولا غروَ فإنَّ معدِنَهُ مشهورٌ؛ فهو سليلُ آل عدي النخليين الذي يُشتهر جدُّهم وذريَّتُهُ بالكرم والضِّيافة والعلم، حتى أنَّ الشيخ عبد الله بن عدي الكندي (ق13هـ) أهدى «بيت القرحة» بنخل للشيخ الفقيه حمد بن سليمان بن سالم اليحمدي النخليِّ (ت قبل 1311هـ)، وهو الذي وَقَف مالًا في الرُّستاق لجماعته بني كندة النخليين([4]).
ووالدَتُهُ سليلَةُ أماجد أعلام؛ ريا بنت سليمان بن عبد الله بن موسى بن صالح بن سعيد بن أحمد بن سعيد الكنديِّة، عَمُّها النَّاسخ المشهور زاهر بن عبدالله بن موسى (ت1378هـ)، وعمَّةُ والدها الشيخة العالمة سالمة بنت موسى بن صالح (ت1337هـ)، وهي من نسل صاحب التَّفسير؛ الشيخ سعيد بن أحمد بن سعيد (ت1206هـ)، وكانت أمُّهُ هيَ المُعَلِّم الأوَّل له، إذ اعتنت به أيَّمَا عناية.
فجمع العلم بين نزوى ونخل؛ ونهل من معينهما، فتعلَّمَ ونشأ بين هاتين الحاضرتين العريقتين، يتنقَّلُ والعِلْمُ وجهته منذ نشأته.
شيوخه
تعلَّمَ الشيخ العلمَ على يد علماء كثر، وكان يجالس أهل العلم منذ صغره، وممن تعلَّمَ على يدهم، وأخذ عنهم مبادئ العلوم؛ علوم اللغة وعلوم الشريعة:
1- الشيخ سليمان بن علي بن سليمان الكندي (ت1423هـ) في نخل.
2- الشيخ سليمان بن سالم بن مسعود الكندي (ت1395هـ) في مسجد مخلد بنزوى.
3- الشيخ سعود بن سليمان بن جمعة الكندي (ت1434هـ) في نزوى.
4- الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي (ت1414هـ) إبَّان ولايته وتقضِّيه على نخل (1360-1369هـ).
5- الشيخ محمد بن سعيد بن محمد الكندي (ق14هـ) في نخل.
وممَّنَ لازم لمَّا انتقل إلى مسقط؛ الشيخ هاشم بن عيسى بن صالح الطيواني (ت1412هـ)، والشيخ إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري (ت1395هـ)، والشيخ إبراهيم بن سيف بن أحمد الكندي (ت1396هـ)؛ وجَمْعٌ من القضاة والعلماء الذين كان يُجالسهم في مسقط، ونخل، ونزوى، وكان يسائل العلماء، وممَّن سألهم نَظْمًا الشيخ خلفان بن جميِّل بن مهيِّل السيابي (ت1392هـ).
تلامذته
درس على يد الشيخ طُلَّابٌ كثر من قبل أن يدخل المدرسة السعيدية وفيها، وفي مدرسة الخليل بن شاذان، وفي عمله، وحتى بعد تقاعده؛ كان الطَّلَبَةُ يفدون إليه للتَّعَلُّمِ والدَّرس، ولهذا لا نستطيع حصرهم لكثرتهم واختلاف أجيالهم؛ وممن درس على يديه؛ السلطان هيثم بن طارق، وإخوته: سمو السيِّد أسعد، وسمو السيِّد شهاب.
أعماله
باقتراح الشيخ عبد الرحيم بن سيف بن حمَّاد الخروصي (ق14-15هـ)، وتزكية الشيخ القاضي إبراهيم بن سيف بن أحمد الكندي (ت1396هـ) في وثيقةٍ مؤرَّخَة بـ (29 من المحرم 1374هـ)؛ عُيِّنَ الشيخ عبد الله مُدَرِّسًا بالمدرسة السعيدية في (4 صفر 1374هـ/ 3 أكتوبر 1954م)، فحلَّ محلَّ الشيخ عبد الرحيم بنفس مُرَتَّبِهِ، واستمرَّ مُعَلِّمًا فيها إلى افتتاح مدرسة الخليل بن شاذان في نخل مُعَلِّمًا للتربية الإسلامية سنة (1393هـ/ 1973م)، وبعدها عُيِّن موجِّهًا لمادة التربية الإسلامية بمدارس جنوب الباطنة سنة (1398هـ/1978م)، وفي منتصف التسعينات الميلادية تقاعد فتفرَّغَ للتأليف والدَّرس.
آثاره ومؤلَّفَاته
للشيخ عبد الله مؤلَّفَاتٌ نوعيِّةٌ متخصصة، ومن تلك المؤلَّفَات:
1- عقود العقيان في ذكر شيء من مباحث القرآن؛ ألَّفه لمَّا لم يجد لعلماء عُمان مؤلَّفًا مستقِلًّا في علوم القرآن، وهو كتابٌ نَظْمِيٌّ، وقَدَّمَ لكتابه الشيخ المفتي إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري (ت1395هـ)؛ وهو الذي سَمَّاه، وكذلك قَدَّم له الشيخ العلامة سالم بن حمود بن شامس السيابي (ت1414هـ) في رمضان 1388هـ، وقَرَّظَ كتابه أيضًا الشيخ سليمان بن علي بن سليمان الكندي (ت1423هـ). (مطبوع)
2- التحديث في علوم الحديث، وهو كتابٌ نَظْميٌّ. (مطبوع)
3- سبيل الرَّشَاد في عدة الوفاة الحداد. (مطبوع)
4- الوحدة الإسلامية وعواملها. (مطبوع)
5- فتح المقتدر في أحكام الحاجِّ والزائر والمعتمر، وهو كتابٌ نَظْميٌّ. (مطبوع)
6- عين الإصابة في الصكوك والكتابة. (مطبوع)
7- منار الطريق في سيرة أبي بكر الصديق h. (مخطوط)
8- هداية الشباب لما يجب عليهم من العبادات والآداب. (مفقود أو لم يكمله)
9- بلوغ المقصود في التذكية والأضحية وأحكام المولود. (مطبوع)
10- مجموعة من الخطب والقصائد.
11- مساءلاتٌ نظميِّةٌ مع كثير من العلماء، وجواباتٌ له كثيرة.
وله مكتبةٌ تحوي عددًا من المخطوطات كتب عنها تلميذه الدكتور منير بن ناصر بن منصور الحضرمي([5])، وتُقَدَّرُ المخطوطات التي فيها بأكثر من إحدى وعشرين مخطوطة؛ معظمها بخطِّ يده، نسخها بين سنتي (1365-1396هـ)، إلى جانب مراسلاته ومناظيمِهِ وجواباته الكثيرة.
وفاته
توفِّيَ رحمه الله بعد مرضٍ عُضال صبيحة 19 من شوال 1447هـ/ 7 إبريل 2026م عن عُمرٍ يناهز 98 عامًا، رحمه الله رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جنانه مع النبيين والصديقين والشهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقًا.
أخيرًا؛ فإننا لن نستطيع في هذه العُجالة أن نسرد ما للشيخ من فضائل كثيرة، فأمثالُهُ قليلٌ، وأثرهُ عَظيمٌ، وفقده أليم. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. وقد وصلني في نَعْيِهِ رثاءان؛ أحدهما للشيخ عبد الله بن راشد السيابي، قال في مطلع رثائه:
قف بي على «شاذون»([6]) في عرصاتها
وانظر لحُزْنِ الفقد من أنَّاتها
والثاني؛ للشيخ يوسف بن إبراهيم بن سيف الكندي، قال في مطلع رثائه:
حزني ترافَدَ والأسى بَتَّارُ
أين التجائي؟ والمَدَى أكْدَارُ
وأختم بأبياتٍ كتبها الشَّاعر أزهر بن هلال الكندي لما طال غيابُ الشَّيخِ عن نخل بسبب مرضه، قالها في حضرته رحمه الله، قال:
يُسائل عنك «شيبة»([7]) يا أشمُّ
أبينكما مواثيقٌ ورَحْمُ
ويسأل عنك «عاقومٌ»([8]) ويبكي
ومن يبكي لشوقٍ لا يُذَمُّ
وبانٌ حالُهُ حالٌ مريرٌ
يئنُّ صبابة حجرٌ أصمُّ
ومسجدك الذي جاورت دهرًا
يتوقُ لعطرك الزَّاكي يشمُّ
وما فتئت «غريضُكَ»([9]) يا فتاها
تقولُ متى به شملي يُلَمُّ
فقُمْ يا شيخُ للقيا سريعًا
فكلُّ الوالهين عليك يُتْمُ
عهدتك إن بكت نَخْلٌ لشوقٍ
وأنت أبٌ لها خالٌ وعَمُّ
تكفكفُ دمعها بالوصل دومًا
فعانِقْها فإنَّ الشوقَ دَمُّ
تنبيه: ظنَّ البعض بسبب أنَّ ولادة الشيخ كانت في نزوى أنَّ أصله منها، وهو من نخل، وأخوالُهُ من نزوى؛ فقد ولد في ديار أخواله، وهو معدودٌ في بني كندة النخليين كما أشرتُ في عدَّةِ مواضع من المقالة.
لتنزيل المقال اضغط هنا
ملحوظة: الصورة في المقال من حقوق قناة الاستقامة.
([1]) جمعت هذه الترجمة من مصادر وكتب عدة.
([2]) تترجَّحُ عندي هاتين السنتين؛ لعدد من الأدلة ليس هذا محلُّ بسطها، وأخبرني الأخ الكريم أحمد بن حمد بن هلال المعولي أحد تلاميذ الشيخ؛ أنَّ الشيخ بنفسه ذكر عددًا من السنوات تقديرًا لولادته، وهي بين (1348-1352هـ)، ثم أخبرني الأخ عبد الملك بن حميد بن محمد اليحمدي أنَّ جَدَّهُ سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الله ورعاه- سمع من الشيخ عبد الله بن سيف أنَّ ولادته كانت سنة 1355هـ، والله أعلم.
([3]) شقائق النعمان في أسماء شعراء عُمان، محمد بن راشد بن عزير الخصيبي، (ط3، وزارة التراث القومي والثقافة-مسقط، 1415هـ/1994م)، (2/97).
([4]) أعلام نخل؛ دراسة وثائقية تحليلية، د. خالد بن سليمان بن مهنا الكندي، ومنير بن ناصر بن منصور الحضرمي، ضمن أعمال ندوة نخل عبر التاريخ؛ (ط1، 1437هـ/2016م، المنتدى الأدبي-مسقط)، (ص75).
([5]) انظر: المخطوطات بمكتبة الشيخ عبدالله بن سيف بن محمد الكندي النخلي، منير بن ناصر بن منصور الحضرمي، مقالةٌ كتبها في 2 جمادى الأولى 1427هـ.
([6]) إشارةٌ إلى «نخل شاذون» اسم نخل القديم.
([7]) إشارةٌ إلى «جبل الشيبة» المشرف على قرية نخل.
([8]) إشارةٌ إلى «جبل عاقوم» المشرف على مدخل قرية نخل.
([9]) إشارةٌ إلى «الغريض» إحدى حارات علاية نخل.


