الحديث وعلومه

أحداث السيرة النبوية الواردة في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى [الجزء الأول]

هلال بن ناصر بن سعيد القنوبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى مَن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الاشتغال بالسيرة النبوية خير معين على الثبات في وقت الأزمات؛ الثبات فكريًّا ومعرفيًّا وسلوكيًّا وكل ما من شأنه أن يحرص فيه المرء على التمسُّك بنموذج مُزَكًّى من قِبَلِ ربه، ولا شَكَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة المثلى بشهادة خالقه فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[[1]].

ثم إني أردت أن أطرق بابًا في تلكم الخزانة النبوية، أستمطر منها نفحات مباركات، فولجت من باب أحد أقدم مصادر الحديث النبوي، وهو «مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى»، وهو من أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، فجَمَّعت بعض الأخبار والأحداث والإشارات المتعلقة بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم[[2]].

لفظ الحديث:

من أخبار السيرة المحفوظة خبر النبي صلى الله عليه وسلم مع زيد عمرو بن نفيل قبل البعثة؛ فقد رواه الربيع بن حبيب في «المسند»[[3]] بلفظ:

قال الربيع: قال أبو عبيدة: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن كان زيد بن عمرو لأول من عاب عَليَّ عبادة الأصنام والذبح عليها؛ وذلك أني أقبلت من الطائف، ومعي زيد بن حارثة، ومعنا خبز ولحم، وكانت قريش آذت زيد بن عمرو حتى خرج مِن بين أظهرنا، فمررت به، وعرضت عليه السُّفْرة، فقال: يا ابن أخي، أنتم تذبحون على أصنامكم هذه؟ فقلت: نعم، فقال: لا آكلها، ثم عاب الأصنام والأوثان ومن يطعمها ومن يدنو منها»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما دنوت من الأصنام شيئًا حتى أكرمني الله بالنبوة».

وقد روى أصل هذا الخبر البخاري[[4]] والنسائي[[5]] وأحمد[[6]] من طريق عبد الله بن عمر رضي الله عنه.

رجال الحديث:

يدور هذا الحديث -في سنده ومتنه- على أعلام أشهر من نار على علم، أذكرهم بإيجاز:

أولًا: أبو عمرو الربيع بن عمرو الفراهيدي، صاحب «المسند»، ولد في الفترة من 75هـ إلى 80هـ، وتوفي رحمه الله تعالى في الفترة من 175هـ إلى 180هـ، أو من 173هـ إلى 176هـ، كل ذلك على وجه التقريب[[7]].

ثانيًا: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ولد في عام 45هـ أو بعده بقليل، وتوفي رحمه الله تعالى في عام 150هـ أو بعده بقليل[[8]].

ثالثًا: زيد بن عمرو، ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد ترجم له الإمام الوارجلاني رحمه الله تعالى فقال: «زيد بن عمرو بن نفيل…، وكان كره عبادة الأصنام، فساح في الأرض في طلب الدين، فأتى إلى اليهود فعرض عليهم نفسه فقالوا: حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، فقال: منه فررت، وإلى النصارى فقالوا له: حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله، فقال: منه فررت، عدلوه عن الحنيفية ودين إبراهيم…، فتوفي قبل المبعث، وابنه سعيد بن زيد من الأخيار المهاجرين الأولين»[[9]].

وروى البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: «الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله!» إنكارًا لذلك وإعظامًا له[[10]].

وروى البخاري أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قولها: «رأيت زيد بن عمرو بن نُفَيْل قائمًا مُسْنِدًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الْمَوْؤُدَة؛ يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تَقْتُلْها أنا أَكْفِيكَها مَؤُونَتَها، فَيَأخُذها، فإذا تَرَعْرَعَت قال لأبيها: إن شئت دَفَعْتُها إليك، وإن شئت كَفَيْتُكَ مَؤُونَتَها»[[11]].

رابعًا: زيد بن حارثة، وهو أول مَن أسلم من الموالي، ويُقال له: حِبُّ النبي صلى الله عليه وسلم، كان عربيًّا أصابه السبي، فصار لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فوهبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن أباه وعمه قدما مكة فُخيِّر فيهما، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبنَّاه، فكان يقال له: زيد بن محمد، ولم يزل كذلك حتى أنزل الله عز وجل: ﴿ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ﴾[[12]]، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 8 للهجرة أميرًا على جيش مؤتة، فاستشهد رضي الله عنه وعمره 55 عامًا[[13]].

الفوائد المتعلقة بسند الحديث:

وقع في إسناد هذا الحديث مسائل تتكرر في الكتب الحديثية عمومًا، ومسند الإمام الربيع خصوصًا، وطلبًا لاقتناص ما حَرَّره أهل الفن أرسم بعضًا منها:

المسألة الأولى: قوله: «قال الربيع»، هذه طريقة للمؤلف، وهي ذكر المؤلف اسمه أو كنيته في كتابه، وقد شاعت عند كثير من المصنفين قديمًا وحديثًا، فمن المحدثين: الترمذي في «الجامع الكبير» الشهير بـ «السنن»، ومن غيرهم: ابن حزم في مؤلفاته كـ «المحلى» و«الإحكام» و«الفصل»، ومن أصحابنا: الإمام الحضرمي رحمه الله تعالى في «مختصر الخصال»[[14]].

المسألة الثانية: قول الربيع: «قال أبو عبيدة» محمولة على السماع؛ لأنه قد صَرَّح الربيع في كثير من الروايات عنه بقوله: «حدثني»[[15]]، فهو من أخص شيوخ الربيع، وقد روى عنه جُلُّ «المسند» سماعًا، وهي أقوى طرق تحمُّل الحديث عند كثير من علماء الصنعة الحديثية.

المسألة الثالثة: قول أبي عبيدة: «بلغني» يدل على أن الحديث إما أن يكون مرسلًا أو معضلًا؛ «لاحتمال أن يكون الساقط شخصًا واحدًا -وهو الصحابي؛ لأن أبا عبيدة قد روى عن جملة من الصحابة- أو شخصين؛ لأن أبا عبيدة لم يكن من كبار التابعين، فيمكن أن يكون قد أخذها عن بعض التابعين»[[16]]، قال الإمام السالمي رحمه الله تعالى: «أبو عبيدة في غاية من التثَبُّت، فالخبر في قوة المتصل»[[17]].

الفوائد المتعلقة بمتن الحديث:

تضَمَّن هذا الحديث على فوائد جَمَّة وعوائد نفيسة سبكها أهل العلم في مصنفاتهم، وقد اخترت منها ما رأيته أجدر ببَثِّه ونشره:

الفائدة الأولى: احتمل العلماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان زيد بن عمرو لأول من عاب عَليَّ عبادة الأصنام والذبح عليها» وجهان متقاربان[[18]]:

الوجه الأول: أن زيد بن عمرو عابها عند النبي صلى الله عليه وسلم فألقى كلامًا أسمعه في عيبها.

الوجه الثاني: أن زيد بن عمرو ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يعبدها؛ لأن قومه يفعلون ذلك، فظَنَّ أن السيرة واحدة.

والإمام السالمي رحمه الله تعالى جمع هذين الوجهين فقال: «قوله: «عاب عليَّ» بتشديد الياء، أي: ذكر عيب ذلك عندي، ولم يكن صلى الله عليه وسلم دنا من الأصنام شيئًا ولا ذبح عليها، ولكن كان قومه يفعلون ذلك، فظَنَّ زيد بن عمرو أن السيرة واحدة، وذلك قبل النبوة، فلهذا ذكر عيبها عنده، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل مُسَدَّدًا موفَّقًا»[[19]].

أما الشيخ البرادي رحمه الله تعالى فقال: «حديث زيد بن عمرو ليس فيه قاطع إلا تلويحات لا تقنع الباحث ولا تبرد غلة المتعطش، مثل قوله: «إن كان زيد بن عمرو لأول من عاب عَليَّ عبادة الأصنام …» فليس في هذا ما يقطع به على أنه عبدها…، ولا ما يقطع على أنه لم يعبدها».

ونقل قبل ذلك عن شيخه -ولم يسمه- قوله: «نحن لم نعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خيرًا، وننُزِّهُه عن القبائح وارتكاب الكبائر والشرك والكفر والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة، ولا يقع في الصغائر إلا غافلًا أو ناسيًا من غير تعمُّد، وكذا نعتقد في سائر الرسل والأنبياء قبل النبوة وبعدها، ولا نقطع فيهم قبل النبوة بشيء إذ ذاك أمر مجهول عندنا لم يرد فيه من البراهين السمعية أثر يقطع به في القرآن ولا في السنة إلى آخره، إلا ما في تأويل الآيات…، وكذلك حديث زيد بن عمرو بن نفيل، بل نتوقف في جميع ذلك ونحسن الظن».

وقال قبل ذلك: «والذي أرتضيه للمُتعبِّد الذي يطلب السلامة الكفُّ عن البحث وعن الاعتقاد، ومنع النفس عن التفكر والنظر في ذلك، إلا من جهة الفحص عما جُبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق…».

ثم عَدَّد طائفة من الشمائل النبوية، ثم قال: «هذا كله قبل مبعثه، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة في اكتساب المحامد واجتناب المذام، وهي أخلاق جُبِل عليها من لدن الله عز وجل هداية، ومن تلقاء نفسه طبعًا، لا دينًا ولا تديُّنًا، وهذه مسألة وقع فيها الاختلاف من جهة الظن والقياس لا غير، ولا قاطع فيها، وقد تقابلت فيها وجوه الاحتمالات، حتى وقع فيها بين أصحابنا ما وقع، وغلا فيها أهل الجبل -يعني علماء جبل نفوسة-، حتى كادوا يقعون في قطع العذر والبراءة، ووقع في ذلك منهم، ثم بعد ذلك اتفق الجميع على التوقف والكف عنها وعن صواحبها من المسائل، وحَجَروا وألزموا الحرج، وضيَّقوا الخطة والهجران والعقوق على مَن يذكرهُنَّ؛ لئلا يوجبوا ذلك التفرق وشق العصى وافتراق الكلمة، واعتمدوا على ذلك ما روي عن الإمام عبد الرحمن -يعني ابن رستم- رضي الله عنه أنه قال: ليس في شيء من مسائل الرأي ما يوجب البراءة، ومثله عن الإمام عبد الوهاب يعني ابن عبد الرحمن بن رستم- رضي الله عنه ورحم جميعهم؛ فنعم ما فعلوا، والتوقف عند الاشتباه أحسن»[[20]].

الفائدة الثانية: وقع في رواية الإمام الربيع رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عرض الخبز واللحم على زيد بن عمرو.

وقد استشكل بعض فقهائنا المعاصرين السياق الذي روى به الإمام الربيع رحمه الله تعالى هذه القصة، وأنها إما أن تكون غير ثابتة أو أنها مروية بالمعنى؛ لعدة أمور:

أولًا: أنها مخالفة لرواية أثبت منها في أن الذي قَدَّم الطعام هم قريش وليس النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أنه أبى أن يأكل منها، وسيأتي أن ذلك وقع في رواية البخاري.

ثانيًا: أنه يستبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يأكل شيئًا مما ذُبح على النُّصب ويتزوَّد به؛ فمن أكرمه الله عز وجل أن لا يعبد صنمًا حاشا له أن يأكل مما ذُبح عليها، ثم ماذا سيكون موقفه عندما يُقال له: لماذا تُحرِّم علينا الآن الأنصاب وأنت كنت ممن يأكل منها؟ اهـ خلاصة ما قاله -حفظه الله تعالى-[[21]].

والناظر في رواية البخاري لهذا الخبر يجد أنها وقعت على وجهين:

الوجه الأول: «فقُدِّمت» بضم القاف «إلى النبي صلى الله عليه وسلم سُفْرة فأبى أن يأكل منها»[[22]]، وهذه الرواية الأكثر، وصححها القاضي عياض[[23]].

الوجه الثاني: «فقَدَّم إليه النبي صلى الله عليه وسلم سُفْرة فأبى أن يأكل منها»[[24]]، وهذا موافق لسياق الربيع رحمه الله تعالى.

وجمعًا بين الوجهين، قال ابن بطال وتبعه ابن المنير بأن السُّفْرة إنما قَدَّمتها قريش للنبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل منها، فقَدَّمها النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد فأبى أن يأكل منها، لكن ابن حجر عَلَّق عليه بقوله: «وما قاله محتمل، لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك، فإني لم أقف عليه في رواية أحد»[[25]].

قال الخطابي: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه؛ لأن الشرع لم يكن نزل بعد، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بفترة طويلة»، قال ابن حجر: «وهذا الجواب أولى مما ارتكبه ابن بطال»[[26]].

وليس في سياق الربيع رحمه الله تعالى أن الطعام المقدم هو مما ذُبح على الأصنام أو النبي صلى االله عليه وسلم كان يأكل مما ذُبح منها، وسيأتي في جواب النبي صلى الله عليه وسلم على سؤال زيد ما يدل على هذا، على أن هذا كله قبل تنزُّل الوحي فضلًا عن تنزُّل أحكام الشريعة المتعلقة بالذبائح وما يؤكل منها وما يُترك.

الفائدة الثالثة: اختلفت نُسخ «مسند الربيع» في ضبط لفظة: «أنتم» في قول زيد: «أنتم تذبحون على أصنامكم هذه؟» فقد وقعت عدة روايات لهذه اللفظة:

الرواية الأولى: «أممَّا» على جعل «ما» موصولة ثابتة الألف.

الرواية الثانية: «أممَّ»[[27]] قال الشيخ البرادي رحمه الله تعالى[[28]]: «كان شيخنا يرويها ويصلحها في النسخ، وهي: «أممَّ» بإسقاط الألف؛ لتحقيق الاستفهام، وفَرَّق بينه وبين الخبر، كقوله عز وجل: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾[[29]]، وقوله: ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ﴾[[30]]»، وتعقبه الشيخ ابن أبي ستة رحمه الله تعالى في «حاشية الترتيب» بقوله: «هكذا فيما رأيناه من النسخ، وليس بظاهر، بل الصواب ترك هذا التصحيح وإثبات الألف لتكون «ما» موصولة، وكأنهما -يعني البرادي وشيخه- رحمهما الله تَوَهَّما أن «ما» استفهامية، وليس كذلك بل هي موصولة، والاستفهام مستفاد من الهمزة، وجَلَّ من لا يسهو»، وأضاف قطب الأئمة رحمه الله تعالى[[31]] فقال: «إذ لو كانت استفهامية -يعني «ما»- لم تكن همزة الاستفهام قبل أيضًا، وتبدَّل المعنى؛ فإن المعنى الصحيح في الحديث: أهذا اللحم من الحيوان الذي تذبحون على أصنامكم؟ وهذا هو معنى جعل «ما» موصولًا قبلها همزة الاستفهام، وأما على جعل «ما» استفهامية فتُعَلَّق بـ «تذبحون»، والمعنى: أخبرني من أي نوع تذبحون على أصنامكم؟ أمن الأبل أو البقر أو الغنم».

الرواية الثالثة: «إنما» للحصر، أي: لا ذبيحة لكم؛ لأنكم لا تذبحون على أصنامكم، والذبيحة على أصنامكم لا تحل عندي، قال قطب الأئمة رحمه الله تعالى[[32]]: «وهذا المعنى لا ينافي الرواية الأولى بـ «ما» الموصولة المفهمة أن لهم ذبائح على غير الصنم؛ فإن الحصر تعبُّديٌّ، أي: ما تذبحون تعبُّدًا لا يكون إلا على أصنامكم، فلا ينافي ما يذبحون غير تعبُّد».

الرواية الرابعة: «أنتم» قال الإمام السالمي رحمه الله تعالى في «شرح الجامع الصحيح»: «بحذف همزة الاستفهام، كذا وقع في بعض النسخ»، وهذا الذي ثبَّته في متن النسخة المصححة لـ «كتاب الترتيب».

الرواية الخامسة: «إن كان مما تذبحون» قال الشيخ البرادي رحمه الله تعالى[[33]]: «فليست عندنا، ولم تقع في «المسند»، فإن كانت فمن رواية غيرنا، والله أعلم».

الفائدة الرابعة: جواب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: «فقلت: نعم» يحتمل أمرين:

الأمر الأول احتمله قطب الأئمة رحمه الله فقال[[34]]: «قوله هذا يدل على أن معنى قوله: «نعم» يدل في جواب قول زيد: «أمما تذبحون على أصنامكم» أنه مما ذبح قومه صلى الله عليه وسلم على أصنامهم، لا هو، حاشاه…، ولم يُنكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنه عَلِم من زيد أن مراده المجموع لا الجميع، ولم يقصده زيد بالدخول في ذلك تحقيقًا، ولم يعلم أنه ممن يذبح لها ولا ممن لا يذبح لها أو علم أنه لا يذبح لها…، فإن كان زيد قد اتهمه بذلك؛ فقد رَدَّ عليه بقوله: «ما دنوت من الأصنام حتى أكرمني الله بالنبوة».

والأمر الثاني احتمله الإمام السالمي رحمه الله في «شرح الجامع الصحيح» فقال: «يحتمل أنه أجاب بذلك؛ ليعرف ما عنده في الذبح على الأصنام»، واستدل لذلك باللفظ الذي وقع عنده: «أنتم تذبحون»، فهذا سؤال عن الذبح، بخلاف لفظ: «أمما تذبحون» الواقع في نسخ المسند الأخرى فإنه سؤال عن المذبوح.

الفائدة الخامسة: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما دَنَوْتُ من الأصنام شيئًا» نفي «يحتمل الماضي والاستقبال» كما قال الشيخ البرادي رحمه الله[[35]]، وعقَّب عليه الإمام السالمي رحمه الله تعالى بقوله: «وأقول: يَصِحُّ أن يُحْمَل النفي على التعميم»، ثم قال: «ويمكن أن يحمل على الحال الذي كان بعد كلام زيد بن عمرو، وأنه كان قبل ذلك لا يدنو منها توفيقًا وعناية من غير أن يعتمد التَّجَنُّب والنُّفْرَة، فلما سمع قول زيد بن عمرو انْتَبَه لذلك واعتمد الجفاء والنُّفْرَةَ، فيُحْمَل القَسَم على هذا المعنى؛ ليوافق ظاهر السياق».

وفي الخبر محطات أولى أن يهتم بها المعتنون بالحديث والفقه لاستخراج مكنون الإرث النبوي وشذراته الماتعة؛ والله الموفق لكل خير.

Loading Viewer…

[[1]] سورة القلم، الآية: 4.

[[2]] ينظر: «مسند الإمام الربيع بن حبيب الأزدي دراسة تحليلية» للشيخ السابعي، المبحث الثالث: «السيرة النبوية والتاريخ وعلم الرواة»، ج3، ص218، فقد أشار إلى طائفة من تلك الأحداث والأخبار المتعلقة بالسيرة النبوية، وسيتعرَّض الباحث في مقالات هذه السلسلة إلى مجموعة منها تنشر تباعًا إن شاء الله.

[[3]] ينظر: «المسند» للإمام الربيع، باب في ذكر الشرك والكفر، رقم 63.

[[4]] ينظر: «الجامع الصحيح»، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، رقم: 3827، وباب: ما ذبح على النصب والأصنام، رقم: 5499.

[[5]] ينظر: «السنن الكبرى»، كتاب المناقب، رقم: 8133.

[[6]] ينظر: «المسند»، رقم: 5369.

[[7]] ينظر: «الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده» للشيخ القنوبي، ص15-120، و«مسند الإمام الربيع بن حبيب الأزدي دراسة تحليلية» للشيخ السابعي، ج1، ص47-52 و94-97.

[[8]] ينظر: «الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده» للشيخ القنوبي، ص35.

[[9]] ينظر: «كتاب الأسماء» لأبي يعقوب الوارجلاني، ص40، وخبر بحثه عن دين الله عز وجل رواه البخاري في «صحيحه»، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، رقم: 3827.

[[10]] رواه البخاري في «صحيحه»، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، رقم: 3827.

[[11]] رواه البخاري في «صحيحه»، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، رقم: 3828.

[[12]] سورة الأحزاب، الآية: 5.

[[13]] ينظر: «كتاب الأسماء» لأبي يعقوب الوارجلاني، ص41.

[[14]] ينظر: «الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده» للشيخ القنوبي، ص105-106.

[[15]] ينظر: «الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده» للشيخ القنوبي، ص52.

[[16]] ينظر: «الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده» للشيخ القنوبي، ص146-147.

[[17]] ينظر: «شرح الجامع الصحيح» للإمام السالمي، ج1، ص45.

[[18]] ينظر: «البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق أسرار ومعاني كتاب العدل والإنصاف» للبرادي، ج2، ص119، و«حاشية الترتيب» لابن أبي ستة، ج1، ص77، و«فتح الله» للإمام القطب، ج3، ص510، و«شرح الجامع الصحيح» للإمام السالمي، ج1، ص132.

[[19]] انظر تعليقه على الحديث في النسخة المصحَّحة لـ «كتاب الترتيب».

[[20]] ومبنى هذه المسألة عصمة الأنبياء، سواء قبل النبوة أو بعدها، قال قطب الأئمة رحمه الله تعالى في «هميان الزاد»، تفسير سورة يوسف، الآية: 5: «وكثير من الأمة بل أكثرها يقولون: إنما عصمة الأنبياء بعد النبوة، ولكن الصحيح عصمتهم قبلها أيضا، وهو مذهبنا، واختلفوا في الصغائر أيضا بعد النبوة، الأشهر عندنا عصمتهم، والذي عندي عدم عصمتهم عنها بعدها وقبلها؛ لكثرة أدلته»، وبَسْط هذه المسألة محلها كتب العقائد، وقد حَرَّرها وفَكَّ المتشابك من فصولها -لا سيما الآيات المتشابهة والأحاديث المروية المتعلقة ببعض ما صدر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- شيخنا الإمام أحمد بن حمد الخليلي في «برهان الحق» ج11، ص65-258.

[[21]] انظر سلسلة «شذا من السيرة النبوية»، الدرس الرابع، للشيخ ماجد الكندي:

[[22]] رواه البخاري في «صحيحه»، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، رقم: 3827.

[[23]] ينظر: «فتح الباري» لابن حجر، ج11، ص270.

[[24]] رواه البخاري في «صحيحه»، باب ما ذبح على النصب والأصنام، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، رقم: 5499.

[[25]] ينظر: «فتح الباري» لابن حجر، ج11، ص270.

[[26]] ينظر: «فتح الباري» لابن حجر، ج11، ص270.

[[27]] وهذا الذي وقع في أقدم نسخة لـ «كتاب الترتيب» نُسخت بتاريخ الخامس عشر من رجب من عام 815هـ.

[[28]] ينظر: «البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق أسرار ومعاني كتاب العدل والإنصاف»، ج2، ص120.

[[29]] سورة النبأ، الآية: 1.

[[30]] سورة النساء، الآية: 97.

[[31]] ينظر: «فتح الله»، ج3، ص510.

[[32]] ينظر: «فتح الله»، ج3، ص511.

[[33]] ينظر: «البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق أسرار ومعاني كتاب العدل والإنصاف»، ج2، ص120.

[[34]] ينظر: «فتح الله»، ج3، ص510.

[[35]] ينظر: «البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق أسرار ومعاني كتاب العدل والإنصاف»، ج2، ص120.

يسعدنا تقييمك لهذا المقال

تقييم المستخدمون: 2.93 ( 2 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى