ملامح من المنهج الدعوي القرآني

سليمان بن سامي بن سليمان الحسني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
إن الداعية إلى الله سبحانه قد تضلع بأشرف وظيفة، وظيفة الأنبياء عليهم السلام الذين شرفهم الله سبحانه بتحمل رسالته والدعوة إليها، فجاء الداعية مواصلا طريقهم، وبقدر التشريف يكون التكليف، فلا جرم أن يحتاج الداعية إلى إتقان سبيل الدعوة ورعايتها أشد رعاية، وأي مرشد أعظم من كتاب الله سبحانه لإرشاد الداعية إلى مواضيع الدعوة، والطرق والأساليب التي يسلكها في سبيل دعوة الخلق إلى سبيل الحق.
من ثَمّ جاءت هذه النظرات تأخذ لمحات من سبيل القرآن الكريم ومنهاجه في عرض الدعوة على العالمين.
والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق.
اللمحة الأولى:المواضيع القرآنية
في هذه اللمحة نستعرض جانبا من المواضيع التي طرحها القرآن الكريم، وهي عند التفصيل كثيرة متنوعة، ولكن يمكن إجمالها في عناوين كبرى، ولا شك أن كل موضوع من مواضيع القرآن الكريم -مفصلا أو مجملا- هو موضوع من مواضيع الدعوة التي ينبغي العناية بها، ويكون تناوله وطرحه بعد ذلك على حسب الفئة التي يتوجه إليها الخطاب، ونحن نرى أن القرآن يتناول نفس الموضوع -أو نفس صنفه- بتكرار، وفي كل مرة يطرحه بأسلوب غير الذي طرحه المرة الماضية.
يكاد هذا الموضوع يكون صاحب الحظ الأوفر في كتاب الله سبحانه، ذلك أنه هو الأساس الذي ينبثق منه كل الدين، فإن أول الدين: التصديق والإيمان، فإذا حصل هذا الأمر كانت الأعمال شيئا مترتبا عليه، ولذا نجد أولى صفات المتقين في سورة البقرة أنهم: ﴿یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ﴾ [البقرة: 3]، وكذلك آخرها: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ 4﴾ [البقرة: 4]، فكما أن الإيمان هو البداية التي تترتب عليها الأعمال، فهو كذلك نتيجة نهائية تنضج بتلك لأعمال، كأنه بذرة تُدفن في القلب، ثم تسقيها الأعمال، حتى تنضج ثمرة يانعة تسر الناظرين.
يقول سيدي الشيخ الخليلي في تفسيره: (الإيمان هو أساس الهداية، ومصدر التقوى وينبوع الفضائل… والإيمان بالغيب هو نقطة الافتراق بين أصحاب الفطر السليمة والنفوس الزكية والعقول الراسخة والأفكار الواعية، الذين يتصلون بما وراء هذا العالم المحسوس، ويدركون أنه محاط بقوة تقهره وإرادة تدبره، وأن الوجود لا ينحصر فيما تدرك الحواس، وأن الحياة ليست مقيدة بهذه الرحلة العابرة على ظهر الأرض، وبين الذين تكدرت فطرهم، وأظلمت نفوسهم، واضطربت عقولهم، وانغلقت أفكارهم، فلم يفهموا تفسيرا للوجود إلا ما وقعت عليه حواسهم المحدودة، ولا معنى للحياة إلا هذه الرحلة التي يقطعونها على ظهر الأرض، وهم الماديون المنحبسون في مضائق المادة؛ الذين سدوا على أنفسهم منافذ التفكير، وحالوا بين عقولهم ومسارح الاعتبار، فلا يتجاوزون حدود الحواس إلا في محيط الاكتشافات بالأجهزة التي هي في حقيقتها امتداد للحواس.)([1])
اعتنى القرآن الكريم كذلك بموضوع الأخلاق، تارة بوصايا مباشرة، وتارة بتجسيدها في أفعال الأنبياء وأولياء الله الصالحين، وقد أخذ جانب الأخلاق حظا وافرا في كتاب الله سبحانه، ولم تقتصر على الأخلاق مع عموم الناس والموافقين منهم، بل حتى مع المخالفين، فمما نجده في ذلك قول الله سبحانه حين يعدد وصايا بني إسرائيل أنها تضمنت فيما تضمنته: ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا﴾ [البقرة: 83]. وكان مما وصى به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم﴿وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولࣰا 37﴾ [الإسراء: 37]، واشتملت وصايا لقمان لابنه جانبا أخلاقيا بارزا، فجاء فيها: ﴿وَٱقۡصِدۡ فِی مَشۡیِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِیرِ 19﴾ [لقمان: 19].
هذا في الجانب العام، أما في جانب المخالفين فقد قال سبحانه: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ ٱلسَّیِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا یَصِفُونَ 96﴾ [المؤمنون: 96]، ويقول: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مِنۡهُمۡۖ﴾ [العنكبوت: 46]
إلى غير ذلك مما هو منتشر في كتاب الله سبحانه، (وقد هذّب القرآن أخلاق المسلمين حين دعاهم إلى اللّين والتّسامح في المعاملة، وإلى الرّفق في المواجهة والملاحاة)([2])
مع كون القرآن الكريم كتاب هداية وتهذيب للنفس البشرية، معتنيا بالقضايا الكبرى التي تشغل فكر الإنسان، قاصدا إلى ملء روحه، فهو لم يهمل بيان تفاصيل بعض الأحكام التكليفية التي يخاطب
بها المسلمون، من أعلى تلك الأحكام، حتى تفاصيل قد يزهد فيها بعض الناس ولا يعبؤون بها. وهنا لا أعني الأمور العامة التي تكررت كثيرا في كتاب الله، من الأمر بإقامة الصلاة وغيرها، بل أقصد الخوض في تفاصيل وجزئيات بعض الأحكام.
فنجد الله سبحانه في كتابه يتناول طائفة من أحكام الطلاق، مفتتحا بتبيين حكم الإيلاء ﴿لِّلَّذِینَ یُؤۡلُونَ مِن نِّسَاۤئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرࣲۖ فَإِن فَاۤءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ 226 وَإِنۡ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ 227﴾ [البقرة: 226-227] ثم مستطردا في عدة الطلاق، وحكم أخذ الرجل مهره من مطلقته، وأقصى عدد للطلاق وما يترتب عليه، مرورا بالرضاع، وهكذا في موضع واحد في بدايات القرآن في سورة البقرة، ثم يتبع ذلك بأحكام أخرى في سورة النساء والأحزاب والمجادلة، ويختمه في نهايات القرآن في سورة الطلاق.
ونجده سبحانه يناقش تفاصيل دقيقة قد يظنها الواحد بدهيات، ولا يفهم سبب إيرادها في كتاب الله حتى يفهم سبب نزولها، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿لَّیۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِیضِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُوا۟ مِنۢ بُیُوتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ ءَابَاۤئِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥۤ أَوۡ صَدِیقِكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُوا۟ جَمِیعًا أَوۡ أَشۡتَاتࣰاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُیُوتࣰا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ تَحِیَّةࣰ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةࣰ طَیِّبَةࣰۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 61﴾ [النور: 61] فيتعجب الذي يقرأ الآيات في هذا العصر: هل هناك من يحرّج أصلا على من يأكل في بيته أو بيوت أرحامه؟
ثم يجد فيما يُذكر أن الناس (كانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى ويتحرجون أن يأكلوا مع المريض، يقولون الأعمى لا يبصر موضع الطعام، ويتحرجون الأكل مع الأعرج ويقولون: الصحيح يسبقه إلى المكان، ولا يستطيع أن يزاحم، ويتحرجون الأكل مع المريض ويقولون: إنه لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح، وكانوا يتحرجون من بيوت أقربائهم وأصدقائهم.) فنزلت الآية.([3])
وإن في هذه العناية القرآنية بتفاصيل الأحكام التكليفية لفتا لانتباه البعض الذين صاروا يزهدون في دروس الفقه والأحكام، ويطلبون الدروس الفكرية والتوعوية والأخلاق ونحوها، ويرون أن تعلم الأحكام التكليفية لا يُهِم غير المتخصصين في دروسهم المغلقة، وهذا خطأ فادح أدى إلى كوارث متعلقة بتضييع الصلوات أو انتهاك في مسائل الفروج وغير ذلك، والواجب على المسلم أن يأخذ من كل مواضيع القرآن والإسلام ولا يزهد في شيء منها، كل بحسب قدرته واستطاعته.
-طبيعة العلاقات:
كان مما اعتنى به كتاب الله سبحانه وتعالى، تحديد الموقف الذي ينبغي أن يتخذه المؤمن من غيره من الناس في مختلف أحوالهم، معلقٌ ذلك بالكفر والإيمان، والمسالمة والمحاربة، وصلة القرابة، ومتمثلٌ في المودة والبغض، وطريقة التعامل، وقد اعتنى كتاب الله سبحانه بهذه القضية عناية بالغة، فكانت الآيات المحددة لطبيعة العلاقات متناثرة في سور القرآن الكريم من أوله إلى آخره، يؤكد بعضُها بعضا، ويفصّل مجملَها مبيّنُها، فمما جاء فيها:
- تعظيم أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلمحتى صار اتباع أمره أولى مما تميل إليه النفس، وانسحب تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلمإلى أزواجه حتى صرن لمكانتهن منه أمهات المؤمنين ﴿ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥۤ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ﴾ [الأحزاب: 6]
- الإحسان العام للوالدين والأقربين والضعفاء والجيران: ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنࣰا وَبِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱلۡجَارِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَیۡمَٰنُكُمۡۗ﴾ [النساء: 36]
- تخصيص الوالدين بمزية إحسان مقرونة بتوحيد الله ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰا 23 وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرࣰا 24﴾ [الإسراء: 23-24] وفي حالة حصول التعارض بأن طالب الوالدان ابنهما بالشرك بالله، فيعصيهما في هذه ويبقي لهما حسن المعاملة: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰۤ أَن تُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِی ٱلدُّنۡیَا مَعۡرُوفࣰاۖ ﴾ [لقمان: 15]
- التشديد على حفظ الأرحام: ﴿فَهَلۡ عَسَیۡتُمۡ إِن تَوَلَّیۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ 22 أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰۤ أَبۡصَٰرَهُمۡ 23﴾ [محمد: 22-23]
- المؤاخاة بين المؤمنين: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَ أَخَوَیۡكُمۡۚ ﴾ [الحجرات: 10]
- المفاصلة بين المؤمنين والكفار لدرجة العداء والبغضاء، ولو كانوا قومهم ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ فِیۤ إِبۡرَٰهِیمَ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ إِذۡ قَالُوا۟ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰۤؤُا۟ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَاۤءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥۤ﴾ [الممتحنة: 4]
- استثناء المسالمين من الكفار بالبر والقسط ﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ 8﴾ [الممتحنة: 8] وهذا مقتصر على المعاملة، ولا يتعداها إلى الموالاة ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوۤا۟ ءَابَاۤءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّوا۟ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 23﴾ [التوبة: 23]
وهذه نماذج، وقد تكررت وتأكدت في أكثر من موضع من كتاب الله سبحانه مع تفاصيل أكثر، فما أجدر بمثل هذه المواضيع أن تنال عنايتها في مواضيع الدعوة.
اللمحة الثانية:قوالب الخطاب القرآني
نريد بالقالب هنا: الشكل الخارجي لفحوى العبرة والقصد الذي أرادت الآيات القرآنية تبيانه، وقد جاء هذا متنوعا في كتاب الله سبحانه، وقد انتقيت ثلاث قوالب لعرضها:
يكاد الخطاب المباشر يستحوذ بطبيعة الحال على الجزء الأكبر من القرآن الكريم في آياته، فغالبا ما تأتي الأوامر والنواهي والأخبار والوعد والوعيد بصورة مباشرة، فنجد الله سبحانه حين يدعو إلى توحيده مثلا يقول: بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِیمِ ﴿ قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ 1 ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ 2 لَمۡ یَلِدۡ وَلَمۡ یُولَدۡ 3 وَلَمۡ یَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ 4﴾ [الإخلاص: 1-4]
ويخبر عن بعض الغيبيات فيقول: ﴿جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِیۤ أَجۡنِحَةࣲ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ﴾ [فاطر: 1]
وينهى عن الشرك فيقول: ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوۤا۟ إِلَٰهَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱ فَإِیَّٰیَ فَٱرۡهَبُونِ 51﴾ [النحل: 51]
ويعد ويتوعد فيقول: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَأَجۡرٌ عَظِیمࣱ 9 وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰۤئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِیمِ 10﴾ [المائدة: 9-10]
وهذا أمر بديهي، إذ القرآن الكريم وإن كان يحمل في ثناياه معاني لطيفة يستحث بها همم أهل العلم وأولي الألباب لاستنباطها والنظر فيها، إلا أنه جاء في أصله وأكثره للناس كافة، فكان لا بد أن يخاطبهم بما تدركه عقولهم ليصلوا إلى المقاصد الكبرى والمعاني الإجمالية العامة دون حاجة إلى وسيط مفسّر قد ينصح وقد يغش، فكان الخطاب المباشر هو السبيل الأوفق لمثل هذه الغاية.
-التأمل في المخلوقات:
جاءت آيات كثيرة في سياق التأمل في مخلوقات الله سبحانه، تارة بالأمر بالتفكر ﴿قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [يونس: 101]، وتارة بعرض مواطن التفكر وتفاصيله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ یُخۡرِجُ ٱلۡحَیَّ مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتِ مِنَ ٱلۡحَیِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ 95 فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّیۡلَ سَكَنࣰا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانࣰاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ 96 وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُوا۟ بِهَا فِی ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِﵞلِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ 97 وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَٰحِدَةࣲ فَمُسۡتَقَرࣱّ وَمُسۡتَوۡدَعࣱۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِﵞلِقَوۡمࣲ یَفۡقَهُونَ 98 وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَیۡءࣲ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرࣰا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبࣰّا مُّتَرَاكِبࣰا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانࣱ دَانِیَةࣱ وَجَنَّٰتࣲ مِّنۡ أَعۡنَابࣲ وَٱلزَّیۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهࣰا وَغَیۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوۤا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦۤ إِذَاۤ أَثۡمَرَ وَیَنۡعِهِۦۤۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتِﵞلِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ 99﴾ [الأنعام: 95-99]
تارة يكون النظر في آيات السماوات والأرض لترسيخ عظمة الله والخشية منه ﴿إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ 190﴾ [آل عمران: 190] وتارة في عواقب الأقوام السابقين لترسيخ الخوف من عقاب الله ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنࣱ فَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ 137﴾ [آل عمران: 137]
تارة يكون الأمر بالتأمل موجها للمؤمنين لزيادة إيمانهم -كما في بعض الآيات السابقة-، وتارة يتوجه للكفار لإقامة الحجة عليهم ﴿أَفَلَا یَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَیۡفَ خُلِقَتۡ 17﴾ [الغاشية: 17]
وهكذا نجد تفاصيل وتنوعات في استخدام هذا القالب في الدعوة، أكان في الغرض أم في الفئة المستهدفة أم غير ذلك مما يمكن للدارس تقسيمه واستجلاء أنواعه بحسب اجتهاده.
أخذت القصص والأمثال جانبا معتبرا من كتاب الله سبحانه، وهي تنقسم إلى قصص حقيقية يجب الإيمان بها بكونها جزءا من أخبار الغيب، كقصص الأنبياء عليهم السلام، وقصص بعض الأقوام
والشخصيات، كشخص مريم عليها السلام، وكقوم سبأ، فمثل هذا يجتمع فيه جانب الإيمان بالغيب -ولا يجوز تأويله بنفي حصوله وادعاء أنه مجرد مثل-، وجانب العبرة والعظة المستنبطة، التي تكون متنوعة ومكثفة، حتى يكاد القارئ نفسه يجد عبرا جديدة بعد كل مدة يعاود فيها قراءة القصص القرآني، وما أحرى بالدعاة أن يعنوا بهذا الجانب ويجعلوا له أولوية -أي القصص القرآني-، فإن الحاصل المشاهد أن العناية الأكبر اتجهت إلى قصص السلف، والأحداث المعاصرة، والأخبار المسموعة أو المنتشرة، ولا شك أن لهذا فائدة لا ينبغي تهميشها ولا الاستهانة بها، لكن فائدة القصص القرآني أعظم وأجدر بالعناية. فينبغي أن يكون الحظ الأوفر من نصيب قصص القرآن، ثم لا تهمش القصص والأخبار المفيدة الأخرى فتذكر بقدر معقول للاستفادة والاعتبار منها.
وهكذا استخدم الله سبحانه ضرب الأمثال لإيصال العبر والآيات للناس، يقول سبحانه ﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِیَاۤءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَیۡتࣰاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُیُوتِ لَبَیۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ 41 إِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَیۡءࣲۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ 42 وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا یَعۡقِلُهَاۤ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ 43﴾ [العنكبوت: 41-43]، ومثل القصص، فإن الأمثال القرآنية ذات عمق بالغ، وبقدر نفَس الغواص يحصل على اللآلئ منها. وإن من أفدح الكوارث أن يقع المسلم فيما وقع فيه الكافرون حين كانوا يستخفّون ببعض الأمثال القرآنية لما توهمته عقولهم من معايير لتقييم الأمثال، فصارت هذه الأمثال إضلالا لهم بدل أن تكون هداية بسبب استكبار نفوسهم وفساد طويتهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَسۡتَحۡیِۦۤ أَن یَضۡرِبَ مَثَلࣰا مَّا بَعُوضَةࣰ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فَیَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ فَیَقُولُونَ مَاذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلࣰاۘ یُضِلُّ بِهِۦ كَثِیرࣰا وَیَهۡدِی بِهِۦ كَثِیرࣰاۚ وَمَا یُضِلُّ بِهِۦۤ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِینَ 26﴾ [البقرة: 26]
أي أن يكون الخطاب بالتحبيب واللين، وهي عادة الخطاب القرآني للمؤمنين الموفين، فيصف لهم ما أعده الله لهم من جنات ونعيم، ويذكر لهم محبة الله ورضوانه وموالاته ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی مَقَامٍ أَمِینࣲ ٥١ فِی جَنَّٰتࣲ وَعُیُونࣲ ٥٢﴾ [الدخان: 51-52] ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١﴾ [المؤمنون: 1] ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ ١١٩﴾ [المائدة: 119] ﴿ٱللَّهُ وَلِیُّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ﴾ [البقرة: 257]
وجاءت بعض الآيات في مقام دعوة الكافرين والعصاة إلى التوبة والرجوع بأسلوب التلطف والشفقة، وإن لم تكن كثيرة مقارنة بآيات الزجر، ومن آيات التلطف قوله تعالى للمسرفين ﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ ٥٣﴾ [الزمر: 53]، وقوله للكافرين من أهل الكتاب ﴿أَفَلَا یَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَیَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ٧٤﴾ [المائدة: 74]، وقوله للمشركين ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ قُل لِّمَن فِیۤ أَیۡدِیكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰۤ إِن یَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِی قُلُوبِكُمۡ خَیۡرࣰا یُؤۡتِكُمۡ خَیۡرࣰا مِّمَّاۤ أُخِذَ مِنكُمۡ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ٧٠﴾ [الأنفال: 71] ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِیمِ ٦ ٱلَّذِی خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِیۤ أَیِّ صُورَةࣲ مَّا شَاۤءَ رَكَّبَكَ ٨﴾ [الانفطار: 6-7]
فلا بد للداعية من هذا الخطاب، وأن يكون هو عامة خطابه للمؤمنين كما هو أسلوب كتاب الله، وألا ينسى منه المقصرين بل الكافرين والمشركين.
وهو أكثر الخطاب للكافرين والمنافقين، فيحذرهم الله سبحانه ناره وأليم عذابه، ويزجرهم عن كفرهم وعنادهم ﴿لَوۡ یَعۡلَمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ حِینَ لَا یَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ یُنصَرُونَ ٣٩﴾ [الأنبياء: 39] ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِینَ فِی ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِیرًا ١٤٥﴾ [النساء: 145] ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ فِی نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِینَ فِیهَاۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِیَّةِ ٦﴾ [البينة: 6]
وجاء الزجر حتى في بعض الخطاب للمؤمنين، نحو قوله تعالى محذرا من الردة ﴿وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَٰۤئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖﵞوَأُو۟لَٰۤئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧﴾ [البقرة:217]، وقوله محذرا من رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢﴾ [الحجرات: 2].
بل قد جاء للأنبياء عليهم السلام هذا النوع من الوعظ البليغ([4])، كقوله سبحانه مخاطبا نوحا عليه السلام ﴿فَلَا تَسۡـَٔلۡنِﵞمَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّیۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِینَ ٤٦﴾ [هود: 46]، وكقوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم﴿وَلَوۡلَاۤ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَیۡهِمۡ شَیۡءࣰا قَلِیلًا ٧٤ إِذࣰا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَیَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَیۡنَا نَصِیرࣰا ٧٥﴾ [الإسراء: 74-75]، وكقوله ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبࣱ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِیمَاۤ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ ٦٨﴾ [الأنفال: 68]، وقد روي في هذه الآية القصة المعروفة حين استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلمأصحابه في أسرى بدر، ثم اختار رأي أخذ الفداء، حتى رأى عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلميبكي مع أبي بكر، فسأله فقال: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة -شجرة قريبة من النبي ﷺ-)([5])
فلا ينبغي أن يخلو خطاب الداعية من الترهيب والتحذير، وكذلك يتبين بهذا أنه لا يصح ما يروّج له البعض من أنه ينبغي ترك خطاب الزجر والوعيد عند خطاب الكفار لأنه منفر لهم، بل هو أمر لا بد منه حتى يعلموا خطر ما هم عليه، فلا يحسبوا أن المسألة مجرد اختلاف في وجهات النظر لا ضرر وراءها، فإن تصوير الأمر بهذه الطريقة فيه خيانة لرسالة الله إلى الناس، وخيانة لأولئك القوم وغش لهم في حقهم بإيصال الدعوة إليهم على صورتها الحقيقية.
ومع ذلك، فلا بد للداعية من مراعاة المقامات والتنويع في الخطاب، كما فعل القرآن الكريم وكما أمر ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ [النحل: 125]، والحكمة تكون بوضع الشيء في مواضعه، فيستخدم خطاب الشدة في مقامه، وخطاب الرفق والتحبيب في مقامه، ولا يقتصر على واحد ويُهمَل الآخر.
– اقتراح التوبة أو حصول العذاب
وهذا من الأساليب التي تكررت في خطاب الكفار والمنافقين، وفيه مزج بين أسلوبي التلطف والزجر في موضع واحد، كأنما يتحبب إليهم بأن الباب مفتوح لو أردتم الانخراط في سلك المؤمنين والظفر بمزاياهم، أو البقاء على طريق الضلال الذي ينتهي إلى العذاب والخسارة الأبدية، وذلك في نحو قوله سبحانه لبعض المنافقين: ﴿فَإِن یَتُوبُوا۟ یَكُ خَیۡرࣰا لَّهُمۡۖ وَإِن یَتَوَلَّوۡا۟ یُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِیمࣰا فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ [التوبة: 74] وقوله لآخرين: ﴿قُل لِّلۡمُخَلَّفِینَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُو۟لِی بَأۡسࣲ شَدِیدࣲ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ یُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِیعُوا۟ یُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنࣰاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡا۟ كَمَا تَوَلَّیۡتُم مِّن قَبۡلُ یُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِیمࣰا 16﴾ [الفتح: 16]
وللكافرين يقول سبحانه: ﴿قُل لِّلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِن یَنتَهُوا۟ یُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن یَعُودُوا۟ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِینَ 38﴾ [الأنفال: 38]، وكذا آية الأسرى وقد مر ذكرها. فكأن في هذا الخطاب تنبيها لهم أن العاقبة التي تصلون إليها إنما هي باختياركم وقراركم، ولم يقع من الله سبحانه إكراهكم على مصير ليس بيدكم تغييره.
إلى جانب الوعد المباشر للمؤمنين بالثواب، والتهديد المباشر للعاصين بالعقاب، يستخدم القرآن الكريم أحيانا أسلوب الحِجاج العقلي لإثبات صدق دعواه، ودحض دعاوى الكافرين، لا سيما في القضايا الأساس التي جاء بها وعاندها الكافرون، وعلى رأسها قضية توحيد الله سبحانه، وما يتبعها من أمور.
ففي توحيد الله سبحانه ونفي الشركاء عنه نجد القرآن الكريم محتجا بانتظام الكون الذي لم يكن ليحصل لو تعددت فيه الآلهة ﴿لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ﴾ [الأنبياء: 22] أي لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله.
وفي قضية ضرورة وجود خالق للكون، يحتج بأنه لا بد من مسبب أول للأسباب، وإلا كان الوجود مستحيلا ﴿أَمۡ خُلِقُوا۟ مِنۡ غَیۡرِ شَیۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥ أَمۡ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا یُوقِنُونَ ٣٦﴾ [الطور: 35-36]
وفي قدرة الله سبحانه على إعادة الخلق لصورتهم قبل الموت بعد أن تحللوا واختفت آثارهم، يحتج عليهم بأنه خلقهم من العدم أصلا، فالإعادة من مادة موجودة أولى بالإمكان ﴿قَالَ مَن یُحۡیِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِیَ رَمِیمࣱ ٧٨ قُلۡ یُحۡیِیهَا ٱلَّذِیۤ أَنشَأَهَاۤ أَوَّلَ مَرَّةࣲۖ﴾ [يس: 78-79]
وهكذا على الداعية ألا يغيب أسلوب الإقناع العقلي عن خطابه، فإن بعض الناس يطلبون البرهان والمنطق للاقتناع، كما يجب ألا يغيب الأسلوب العاطفي أيضا، إذ إن الإنسان قد رُكِّبت فيه العاطفة
كما ركب فيه العقل، ولذا مزج القرآن الكريم بين الخطابين حتى يناسب الطبيعة البشرية بكامل أنواعها وتدرجاتها، والاكتفاء بواحد من الجانبين سيكون قصورا في الخطاب ونقصا في فهم الطبيعة البشرية.
بهذا أكون قد فرغت من تدوين المقصود الذي رمته في هذه النبذة اليسيرة، والمنهج الدعوي القرآني يحتوي بلا شك تفاصيل أكثر ودررا كامنة ولطائف خفية، وقد توزّع ما استخرجه الناس منه في كتب التفسير وعلوم القرآن والسلوك والدعوة والرقائق وغيرها، وما أحرى بالداعية المسلم أن يكون القرآن الكريم مرجعه الأول في منطلقاته ومآلاته وهو يدعو إلى سبيل ربه، وتكون نظرته إليه نظرة شاملة مستوعبة، لا ناقصة مجتزأة، حتى ينال منه الفائدة الأكبر، وما أحسن ما نظمه العلامة أبو مسلم البهلاني رحمه الله إذ قال:
وخذ بكتاب الله حسبك إنه |
| دليلٌ مبين للطريق خفيرُ |
فما ضل من كان القُرَانُ دليلَه |
| وما خاب من سيْر القُرَان يسيرُ |
وإذا جمع المسلم مع ذلك النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلموكيفية تطبيقه للقرآن الكريم في دعوته، كان ذلك أكمل وأنجز.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا العمل بكتابه والاهتداء به، إنه سميع مجيب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح مسلم.
- جواهر التفسير، الشيخ أحمد الخليلي.
- الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية، الشيخ أبو الحواري محمد بن الحواري.
- نفحات الرحمن في رياض القرآن، الشيخ محمد كعباش.
Loading Viewer…
يسعدنا تقييمك لهذا المقال



