العقيدة والفكر

استفتِ قلبك

عمر بن أحمد بن حمد الخليلي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فلم يزل أهل الهوى يدَّرعون النصوص سابغاتٍ متى خالوا فيها متمسَّكًا لهم فيما يدَّعون، ومتى وجدوا ما فيها مخالفًا لهواهم لوّوا رؤوسهم وهم معرضون، وما ذاك إلا رغبة منهم في لعاعة من الدنيا، {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}[التوبة:58]، وقد حكى الله من أخبار المنافقين الأوائل في كتابه ما لا تشاء أن تُنزله على من تراهم يترسَّمون خطاهم إلا وتخال الآية قد نزلت فيهم البارحة، لاتحاد المشرب والدليل، حتى تجد الحجَّة هي الحجَّة، والطريقة هي الطريقة، {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}[الذاريات:53].

وإن من أكثر الأدلة دورانًا على ألسنتهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «استفت قلبك».

فقد زعموا أن هذا الحديث تقويض “للكهنوت الديني” الذي يجعل الإنسان مُحتاجًا إلى جهة أخرى (الوحي ومن يفهمه من أهل العلم)، إذ إنَّ الحديث قد وَكَل الناس إلى ضمائرهم، فالوازع هنا وازع داخليٌّ ذاتي، والسيادة على المرء من نفسه لا من غيره، وليس لأحد من الناس كائنًا من كان وصاية على غيره، وليس له أن يُنكر عليه ما يراه حرامًا، فإن المنكَرَ عليه قد يكون ممن يراه حلالًا!

أليس الأمر عائدًا إلى القلوب؟ إذن فكل إنسان له معياره الخاص الذي يحكم به على الأشياء حُسنًا وقُبحًا، حِلًّا وحرمة.

كما يؤكد العلمانيون أن الأخلاق والوازع لا بد من أن تربط بالضمير، بدلًا من الإلزام والترهيب بعقاب الآخرة[1].

وهنا نجد أن عبد المجيد الشرفي -العلماني العتيد- يجيب عن سؤال: أين نجد الدين والحقيقة الدينية؟ فيقول: “نجده في ضمائر المؤمنين. لسنا محتاجين في العصر الحديث إلى مؤسسة دينية مهيكلة على النمط القديم”[2].

ومما ينبغي ألَّا نغفل عنه أنَّ العلمانية راهنت على تهميش الدين وحصره في النطاق الفردي، وجعله شأنًا داخليًا، وظنَّت أنها قادرة على إخفاء مظاهر التديُّن في الشأن العام.

بل إن العلمانيين ما فتئوا يحاربون الشريعة بالضمير، فيجعلون الضمير بديلًا لها، ولم يكن الضمير الذي يقصدونه إلا (الضمير الغربي) المتصالح مع العلمانية، والذي لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه.

ونسَب الدين العلماني للغرب في هذه المسألة متصل، فإن من الأفكار الشائعة في الغرب، وعنهم تلقَّاها علمانيو العرب “الاعتقاد بأنه يمكن للإنسان أن يجد في أعماق طبقات ذاته نواةً مقدَّسة، وأصيلة، وحقيقية، لم تلوِّثها الثقافة ولا التاريخ ولا المجتمع؛ نواة تغذِّي تقويم ما هو جيِّد وحقيقي وهادف، ولا يمكن القيام بهذا التقويم بالاعتماد على السلطات الخارجية، والخبراء الخارجيين، بل بإنصات الإنسان لصوته الداخلي”[3].

وهذا النمط الجديد من التدين يحصر التدين في كون الإنسان “خيِّرًا”، ولا يهتم بالطقوس والإلزامات كثيرًا، وهذا ما أعطاه رواجًا في الأوساط الليبرالية التي تسعى للتخفف من أعباء التكليف[4].

وقبل الخوض في بيان معنى الحديث أنبِّه إلى أنَّ الحديث مما اختلف أهل العلم في صحَّته لإشكالات في إسناده، فذهب بعضهم إلى تحسين الحديث لمجموع طرقه، كالنووي[5]، وتابعه على ذلك الزبيدي في إتحاف السادة[6]، وبعض المعاصرين.

وذهب بعض أهل العلم إلى الحكم على الحديث بالضعف، فأحمد الذي روى الحديث قال إن في إسناد الحديث انقطاعًا[7]، وللحديث طرق أخر ضعَّفها ابن رجب وصحّح منها روايات خلت من لفظ «استفت قلبك»[8] الذي هو محل الشاهد، وكذا ضعَّف الحديث بعض المعاصرين[9]  وممن ذهب إلى القول بتضعيف الحديث شيخنا العلامة القنوبي حفظه الله وعافاه.

وعلى هذا فيسقط ما بناه العلمانيون من عَلالٍ وطلولٍ على هذا الحديث لضعفه، غير أنني سأبني مقالتي هذه على فرض صحة الحديث.

وأعرض أولًا التوظيف العلماني للحديث، مع النقد والتقويم، ثم أتبعه بعواصم تعصم من توظيف الحديث في غير سياقه بإذن الله.

 للعلمانيين في توظيف هذا الحديث عدَّة مسالك، منها:

1- تفريغ المصطلح الشرعي من حمولته، وتحميله معانيَ أخرى علمانية:

وذلك كما سبق من حمل مصطلح (استفتاء القلب) على معنى يتلاءم مع السياق العلماني العصري، بل يُجعل استفتاء القلب قسيمًا للشريعة، فإمَّا أن تكون جامدًا على ظواهر الشريعة التي جاءت في عصر سالِفٍ وظروف مختلفة لا تناسب زماننا، وإما أن تستفتي قلبك الحيَّ الذي سيدلك على مراشد الأمور التي لم تكن الشريعة لتدلَّك عليها!

فهذا أحد المتأثرين بالتوجُّه الغربي يقول عن مواد النظافة والملابس التي يدخل في صناعتها بعض ما يُستخرج من الخنزير “ثمة نماذج كثيرة لمثل هذه الأمور الرائجة في عصرنا، لا يكون لفتوى المفتي فيها تأثير يُذكر؛ بل إن الفتوى ستكون من الناحية العملية محض تضييق على الناس فيما لا يطيقونه، وهذا التضييق قد يدفعهم إما إلى التمرد على الدين علانية، وإما إلى النفاق والمداراة للالتفاف حول الحكم، لذا فإن العقل والشريعة يقضيان بألا نُفتي في هذه الأمور، وأن نتركها لضمائر الناس. وإنني أحسب أن أصل هذا المبدأ موجود في السنة النبوية، فقد جاء في إحدى الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن بعض الأسئلة فلم يُجب عليها بشكل مباشر، وإنما قال: «استفت قلبك»، في حين أن هناك أمورًا كثيرة حكم فيها بشكل قاطع ومباشر” [10].

ومع وجود عدَّة إشكالات في هذه الفقرة القصيرة، إلا أنَّ الشاهد فيها أنه يُحيل الناس إلى ضمائرهم هكذا مطلقًا دون قيد أو ضابط! مع كون المسألة مرتبطة بحكم شرعي معلوم وهو نجاسة الخنزير وحرمة ابتياعه وبيعه، إلا أنه أعرض عن كلِّ ذلك وتمسَّك بـ «استفت قلبك»!

2- إهدار سياق حديث استفتاء القلب:

لا شكَّ أن لاستحضار سياق الحديث المقالي والمقامي أثرًا بالغًا لفهم المقصود من الحديث، ومن خلاله نتبيَّن الخلل في التوظيف العلماني له، وأنه أبعد شيء عن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم منه.

وحتى نتأمل السياق لا بدَّ من نقل الحديث كاملًا، ونصُّه: عن وابصة بن معبد رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأنا أريد ألَّا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمعٌ، فذهبتُ أتخطى الناس، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إليك يا وابصة، فقلت: أنا وابصة، دعوني أدنو منه، فإنه من أحب الناس إليَّ أن أدنو منه، فقال لي: «ادنُ يا وابصة، ادنُ يا وابصة»، فدنوتُ منه، حتى مسَّت ركبتي ركبته، فقال: «يا وابصة، أخبرك ما جئت تسألني عنه أو تسألني؟»، فقلت: يا رسول الله، فأخبِرني، قال: «جئت تسألني عن البر والإثم»، قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث، فجعل ينكت بها في صدري، ويقول: «يا وابصة استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس»[11].

فسياق الحديث يبيِّن لنا جملة من الأمور التي لا تظهر بحكاية جزء من الحديث مقطوعًا من سباقه ولحاقه وسياقه وهو «استفت قلبك»، فمن ذلك:

أ‌-   أن وابصة لم يكن يسأل عمَّا فيه نص شرعي ظاهر لا يُرتاب معه في الحكم، وإنما يسأل عمَّا يشتبه عليه ويرتاب فيه، مما يؤكِّد أن الحديث لم يأت مخالفًا لعامة النصوص الشرعية التي تأمر بالاحتكام للوحي -كتابًا وسنة- فالمساحة التي يُعمل فيها بهذا الحديث هي التي لا يوجد فيها نص يبتُّ الحكم، يقول الحافظ ابن رجب: “فدلَّ حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، فما سكن إليه القلب وانشرح إليه الصدر فهو البر الحلال، وما كان على خلاف ذلك فهو الإثم والحرام”[12].

ب‌- أن هذا الاستفتاء للقلب أقرب ما يكون لـ (تحقيق المناط) في المسائل الفقهية، فقد يكون المفتي أو العالم أو حتى النص الشرعي مُعلِّقًا للحكم على وصف معيَّن، كإباحة الفطر للمريض، والصلاة قعودًا للعاجز، وأكل الميتة للمضطر ونحوها، وهذه وإن كانت نصوصًا شرعية إلا أن الإنسان أعلم بحاله وإن أفتاه المفتون بالجواز فيها، فهو يعلم إن كان مضطرًّا حقًّا أم لا، ويعلم مقدار المرض الذي يطيق معه الصيام والذي لا يطيق الصيام معه، ففي هذه الحال لا يكتفي المستفتي بكلام المفتي وحده، بل لا بد من أن يكون صادقًا في وصف حاله، بل إن وجد نفسه غير مطمئنة إلى جواب المفتي وظنَّ أن المفتي قد يكون غفل أو سها في فتواه فإن بعض أهل العلم يستحبون له استفتاء غيره، كما قال اللقاني: “من لم تطمئن نفسه لجواب مُفتٍ استُحبَّ له استفتاء غيره”[13]، بل إن فيهم من يرى حرمة العمل بفتوى المفتي إن رابَ المستفتي فيها أمر[14].

3- تعميم استفتاء القلب على جميع الناس:

وهذا أمر فيه إشكال كبير، فليست قلوب العباد متساوية في إيمانها وورعها عن الحرام، فكما أن ثمة نفوسًا تميل إلى التقوى فثمة نفوس تميل إلى الفجور، كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (*) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}[الشمس:7-8].

ففتح الباب على مصراعيه مدلَفٌ واسع لأصحاب الأهواء والأمراض، وإذا استفتى الفاجر قلبه فلن يجد فيه إلا ميلًا إلى الفجور ورغبة في التكثُّر منه.

فإن الله تعالى وصف أهل الكفر بقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ}[الأحقاف:50]، وقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}[الجاثية:23].

فهل هؤلاء أيضًا مصيبون باتباع أهوائهم التي يكون آخر همِّ أحدهم أن يعلم هل “أصاب فوزًا أو مهامه الردى”؟

ولا يُقال هنا إن الإنسان مهما كان مُمعِنًا في ملذَّاته فإن ضميره سيبقى يَخِزه كلما ألمَّ بمعصية أو اقترف خطيئة، فما أكثر ما ترى من القتلة والفسقة الذين يشعرون بالراحة والطمأنينة -الظاهرية- بل قد يكون لسان حال أحدهم كلسان مقال صاحب الجنة {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا}[الكهف:36]!

كما أن الشيطان لم يكن ليترك الإنسان على صفاء قلبه وطهارة فطرته الأولى، كما جاء في الحديث القدسي عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «إني خلقتُ عبادي حنفاء مسلمين، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، فحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا»[15].

وكذلك تجد طائفة من الناس يجدون في أنفسهم حرجًا شديدًا من بعض الرخص التي أذِن الشارع بها لهم، كالفطر في رمضان للمريض أو كشف العورة للعلاج ونحوها، فيشقُّ عليهم ذلك جدًّا، فهل يقال في حق الأول إن الفطر في حقه محرَّم والآخر أن كشف عورته للعلاج لا يجوز؟!

كما أن الإنسان نفسه يتغيَّر حاله بتغيُّر الزمان، فهل يتغيَّر المعروف والمنكر بحسب حالة الإنسان من همة أو فتور؟

ولهذا يقول أبو حامد الغزالي: “لا يعوَّل على كل قلب، فرُبَّ موسوس ينفي كل شيء، ورُبَّ شَرِهٍ متساهل يطمئن إلى كل شيء، ولا اعتبار بهذين القلبين، وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال، فهو المحل الذي تمتحن به حقائق الصدر[16].

العواصم من التوظيف:

مما منَّ الله تعالى به على أمة الإسلام أن جعل النصوص الشرعية والقواعد المستنبطة منها محصَّنة من الاختراقات التوظيفية التي تسعى لمخالفة الشارع بها، بل إن كل نصٍّ أو دليل أو قاعدة يُستدلُّ بها على معنى باطل تحمل في طيَّاتها بذور فناء ذلك الباطل، وفي ذلك حكمة كبرى ونعمة عظمى بحفظ الدين من التحريف.

1- جمع النظائر:

فإننا إذا جمعنا نظائر هذا الحديث تبيَّن لنا المراد منه، فإن النصوص الشرعية تتكامل ولا تتناقض، وحديث وابصة جزء من منظومة كاملة تؤكد معنى واحدًا سيأتي بيانه بعد سرد الأحاديث المشابهة.

أ‌-   عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ -وأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ»[17].

ب‌- عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس»[18].

ت‌- عن الحسن بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة»[19].

فهذه الأدلة -وغيرها مما لم أذكر- تؤكد أن للضمير والقلب ضوابط تحدُّها، بل في كافة هذه الأدلة ما يشير إلى أن المراد مرتبة فوق مرتبة التفريق بين الحلال والحرام، وهي مرتبة الورع، ولا يخفى هذا على متأمل في هذه الأحاديث كلها.

يقول ابن رجب: “معنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب، والريب: القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل به للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشك”[20].

ولهذا قرن ابن عقيل حديث استفتاء القلب بالأدلة التي تدل على الاحتياط؛ لكونه يدل على الاحتياط وتجنب الشبهات[21].

ويقول الشاطبي بعد ذكره لحديث استفتاء القلب: “وإنما يستقيم إعمال الأحاديث المذكورة فيما أُعمِل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن»” [22].

ويقول الشوكاني: “أما الاستدلال بحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، و«استفت قلبك» فليس فيها إلا الإرشاد إلى الورع، والتوقف عند الاشتباه، وتوقِّي المشتبهات”[23].

2- تفسير الضمير بالوازع الإيماني:

وهذا هو ما يشير إليه الحديث كما تقدَّم، وفي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ضربَ اللهُ تعالى مثلًا صراطًا مستقيمًا ، وعلى جنْبَتَيِ الصراطِ سورانِ ، فيهما أبوابٌ مُفَتَّحَةُ ، وعلَى الأبوابِ ستورٌ مُرْخَاةٌ ، وعلى بابِ الصراطِ داعِ يقولُ : يا أيُّها الناسُ! ادخلوا الصراطَ جميعًا ولَا تَتَعَوَّجوا، وداعٍ يدعُو مِنْ فَوْقِ الصراطِ ، فإذا أرادَ الإِنسانُ أنْ يفتحَ شيئًا مِنْ تِلْكَ الأبْوابِ قال : وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ ، فإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ ، فالصراطُ الإسلامُ، والسُّورانِ حدودُ اللهِ، والأبوابُ الْمُفَتَّحَةُ محارِمُ اللهِ تعالى، وذلِكَ الدَّاعِي على رأسِ الصراطِ كتابُ اللهِ، والداعي مِنْ فوقٍ واعظُ اللهِ في قلْبِ كُلِّ مسلِمٍ»[24].

قال الطحاوي “تأملنا هذا الحديث، فوجدنا كل ما فيه مكشوف المعنى، غير ما فيه من: «واعظ الله في قلب كل مسلم»؛ فإنّا احتجنا إلى الوقوف على حقيقته ما هو؟ فنظرنا في ذلك، فوجدنا الواعظ من الآدميين هو الذي ينهى الناس عن الوقوع فيما حرَّم الله تعالى عليهم؛ فعقلنا بذلك أن مثله في قلب المسلم: هي حجج الله تعالى التي تنهاه عن الدخول فيما منعه الله عز وجل، وحظره عليه، وإنها هي واعظ الله في قلبه؛ من البصائر التي جعلها الله تعالى فيه، والعلوم التي أودعه الله تعالى إياها، فيكون نهيها إياه عن ذلك وزجرها إياه عنه، كنهي غيرها من الناس -الذين في قلوبهم مثلها- إياه عن ذلك”[25].

3- جعل الضمير أو القلب تابعًا للحكم الشرعي لا بديلًا عنه:

وهذا مما اتفقت عليه كلمة أهل العلم، فإنه “لا تنازع بين أهل العلم أن صورة الأشياء لا تدلُّ على تحليلها وتحريمها من طريق مشاهدتها والعلم بها وبأوصافها، وأن التحليل والتحريم مأخوذ منهما من طريق السمع”[26].

وحكموا على من خالف دليلًا في القرآن أو السنة أو الإجماع بأنه هالك لمخالفته[27].

ولذا فإن أهل العلم من سائر المذاهب من لدن الشافعي شنُّوا غارة شعواء على الحنفية حين قالوا بالاستحسان، لأنهم رأوه دليلًا غير مبني على شيء من الأصول الشرعية المرعية، وكان أساس دفاع الحنفية عن رأيهم بأن يبيِّنوا لمخالفيهم أن الاستحسان ليس خروجًا عن منظومة الأدلة الشرعية، وإنما هو دليل من جنس أدلتها، ودفعوا ما نسب إليهم من الاستدلال بالشهوة والهوى[28].

فلا يقال لأحد: إذا اطمأنت نفسك أو ضميرك إلى أمر فهو من البر، وإن انقبضت منه فإنه إثم، فإن الله قد أكرمنا بوحي يُخرجنا به من الظلمات إلى النور، ولو كان في الضمير والقلب غُنية لما كانت لنا في الوحي حاجة.

والله تعالى الذي خلقنا -وهو أعلم بما خلق- يقول: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (*) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}[الشورى:52-53].

وحسبنا أن نرى حولنا لنعرف حال النائي عن الدين، المبتعد عنه، سواء من ابتعد عن الدين مع إيمانه بأنه الحق بأن يكون مقصِّرًا في العمل، أو المبتعد عنه من أصحاب الديانات المختلفة.

4- لا اعتبار بالضمير إذا خالف الدليل:

فكل ما يخالف الدليل -كتابًا كان أو سنة أو دليلًا مبنيًّا عليهما- حقه أن يكون دَبرَ الآذان وتحت الأقدام، كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء:65]، ويقول جل جلاله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36].

بل إن التوجيه النبوي جاء باعتبار الظاهر من الأدلة وإن كان مخالفًا لما في نفس الإنسان من خطرات، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار»[29].

فإذا كان صلى الله عليه وسلم يحكم بالظاهر وما يسمع، ويقدِّمه على غيره، فالأولى بطالب الحق أن يقدِّم النص الشرعي على ما عداه من فتيا القلوب.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يزكِّي سيدنا عمر بن الخطاب بأنه مُلهَم من الله تعالى إلا أن هذا لم يجعله رضي الله عنه يُقدم بقوله ورأيه إذا بلغته أثارة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، “فكان ربما رأى الرأي فيخبره بعض الصحابة بخلافه فيرجع إليه، ويترك رأيه؛ فمن ظنَّ أنه يكتفي بما يقع في خاطره عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فقد ارتكب أعظم الخطأ”[30].

والله تعالى يأمرنا حين الاختلاف بأن نرجع الحكم إليه {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى:10].

والنبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر وابصة باستفتاء قلبه في هذا المقام نرى أنه لم يرفع بما في قلوب الصحابة -رضي الله عنهم- رأسًا في صلح الحديبية، وذلك لوجود أمر جازم بالتحلل والرجوع للعمرة من قابل.

ولهذا تطبيقات كثيرة للفقهاء رضي الله عنهم، فمن ذلك قول الشيخ سعيد بن بشير الصبحي: “إنه لا حكم للاطمئنانة عند قيام الحجَّة بالبيِّنة وما يشبهها، ومن ظنَّ هذا الشيء له، فصحَّ بالبيِّنة أنه لغيره؛ فقد انقطع حكم الاطمئنانة، ومثل هذا كثير”[31].

5- أن يكون مستفتي القلب على درجة من العلم والتمييز والورع:

فإن من كان قلبه خليًّا عن العلم والورع كان حريًّا ألا يصيب حقًا ولا يجانب باطلًا، إذ إن أحكام قلبه ليست إلا رميًا في عَماية، ولذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقَّه في الدين”[32]، فمن لم يتفقه في الدين واقع لا شك في الحرام، وقد فهم الباقلاني من الحديث أنه أمر لمن أطاق الاجتهاد بأن يترك أقوال الرجال ويعتمد على نظره وبصيرته في الحكم[33].

أما كونه صاحب ديانة وورع فيكفينا أن نعرف من هو وابصة الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم باستفتاء قلبه، ويكفينا من سيرته ما حكاه تلميذه أبو راشد الأزرق عنه، فقد قال: “كنت آتي وابصة، وقلَّما أتيته إلا أصبتُ المصحف موضوعًا بين يديه، ثم إن كان لَيبكي حتى أرى دموعه قد بلَّت الورق”[34].

ويقول القرطبي في شرحه لحديث: «الإثم ما حاك في الصدر» من كتابه (المفهم): “وإنما أحاله النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الإدراك القلبي لما علم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه يدرك ذلك من نفسه”[35].

وقال قبلها: “لكن هذا إنما يصح ممن نوَّر الله عز وجلَّ قلبه بالعلم، وزيَّن جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثرًا في قلبه، كما يُحكى عن كثير من سلف هذه الأمة”[36].

ومن كان متصفًا بالتقوى والورع كان حريًّا أن يعلِّمه الله ما لم يكن يعلم مما يشتبه على الناس، يقول تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}[الأنفال:29].

6- ألا يفسَّر استفتاء القلب والضمير بالمعنى العلماني:

وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان، فإن المصطلح الشرعي لا يصح أن يفسَّر من خارج المنظومة الشرعية، ولا يصح أن يفسَّر بما يعود على الشريعة بالنقض.

أما من يرى أن المراد باستفتاء القلب والرجوع للضمير -كما هو حال العلمانيين- أن يُسقط العبد عن نفسه ما شاء من العبادات ويثبت ما شاء، فلا شك في أن هذا يفتح باب الزندقة على مصراعيه.

7- أن يكون مجال استفتاء القلب في جانب الورع:

فمما سبق تبيَّن أن استفتاء القلب مرتبة من الورع تُلزِمُ صاحبها بترك ما أشكل عليه أمره، أما الذي يمضي قُدُمًا لا يتوقَّف في أمر ولا يحترز من شبهة فهذا لا يصح أن يستدل بهذا الحديث، يقول الغزالي: “وحيث قضينا باستفتاء القلب أراد به حيث أباح المفتي، وأما حيث حرَّمه فيجب الامتناع”[37]، ويقول الدبوسي: “وأما حديث وابصة فقد ورد في بابٍ يحلُّ فعله وتركه، فيجب ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه احتياطًا لدينه على ما شهد له قلبه به”[38].

ولا يتصوَّر أصلًا أن يفتي المفتون بُحرمة أمر ما ثم يُقدِم عليه المسلم المحتاط لدينه ويقول إن نفسه تطمئن إلى فعله هكذا دون دليل ولا برهان، اللهم إلا إن كان قلبه -كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم قلوب أهل الفسق- أسود مربادًّا كالكوز مجخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه، ونعوذ بالله من هذه الحال! [39]

Loading Viewer…

[1] المسيري، العلمانية تحت المجهر، ص74.

[2] الشرفي، الثورة والحداثة والإسلام، ص158.

[3] انظر: كيري ميتيشل، سياسة الروحانية-لبرلة تعريف الدين، ضمن: م. درسلر وأ. مانداير (تحرير)، العلمانية وصناعة الدين، ص209.

[4] انظر: بيتر كلارك (محرر)، المرجع في سوسيولوجيا الدين، (2/1161).

[5] النووي، الأذكار، ص408.

[6] الزبيدي، إتحاف السادة المتقين، (1/160).

[7] لأن الزبير لم يسمع الحديث من أيوب، انظر: مسند أحمد، (29/532).

[8] ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص293.

[9] انظر: كلام محققي مسند أحمد، (29/532)، الترياق بأحاديث قواها الألباني وضعَّفها أبو إسحاق، ص120.

[10] وحيد الدين خان، الفكر الإسلامي، ص105-106.

[11] رواه أحمد في مسنده، برقم (18001) و(18006)، وفي إسناده مقال كما سبق.

[12] جامع العلوم والحكم، ص 296.

[13] منار أصول الفتوى، ص223.

[14] إعلام الموقعين، (4/254).

[15] رواه مسلم (2865).

[16] إحياء علوم الدين، (2/148).

[17] رواه البخاري (52) ومسلم (1599).

[18] مسلم (2553).

[19] رواه أحمد (1723) والترمذي (2518).

[20] جامع العلوم والحكم، ص 127.

[21] الواضح في أصول الفقه، (1/160-161).

[22] الاعتصام، (2/385).

[23] السيل الجرار، (1/56).

[24] رواه أحمد (17634).

[25] الطحاوي، شرح مشكل الآثار، (5/171).

[26] العوتبي، الضياء، (3/32).

[27] السالمي، مشارق أنوار العقول، ص169.

[28] انظر مثلًا: أبو عبد الله الصيمري، مسائل الخلاف في أصول الفقه، ص 349.

[29] رواه البخاري (6967) ومسلم (1713).

[30] ابن حجر، فتح الباري، (11/345).

[31] قاموس الشريعة، (2/226).

[32] رواه الترمذي (487).

[33] التقريب والإرشاد، (1/301).

[34] الإصابة في تمييز الصحابة، (6/461)، وتهذيب التهذيب (11/89).

[35] المفهم في شرح ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، (6/523)

[36] المفهم، (4/492).

[37] إحياء علوم الدين، (2/148).

[38] تقويم الأدلة، 398.

[39] هذا المقال مستفاد من عدة مراجع، أهمها:

1-  التوظيف العلماني للمضامين التراثية، د. السعيد صبحي العيسوي.

2-  استفتاء القلب، د. وليد الحسين

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: 4.3 ( 1 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى