قوله تعالى:”لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ”، بين سلب العموم وعموم السلب.

عمر بن أحمد بن حمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
لك الحمد يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، وصلِّ ربِّ وسلم وزد وأنعم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه مقالة لمناقشة اعتراض الفخر الرازي ومن تبعه على الاستدلال بقوله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام:103] على نفي الرؤية بجعل هذا الأسلوب من قبيل سلب العموم لا عموم السلب، وسيكون المقال محصورًا في مناقشة هذا الوجه دون غيره من أوجه الاعتراض الواردة على استدلال نفاة الرؤية.
تمهيد: تعريف سلب العموم وعموم السلب:
السلب: في أصله الأخذ، ويراد به هنا رفع الثبوت[1]، أي: أنه بمعنى النفي.
العموم: الشمول والاستغراق.
وعليه فمعنى عموم السلب: استغراق النفي لكل فرد من أفراد اللفظ العام.
ومثاله: كل الناس لم يأتِ.
وسلب العموم: نفي شمول الحكم عن المجموع وإثبات الحكم بمفهومه لبعض الأفراد[2].
ومثاله: لم يأتِ كل الناس.
ويسمى هذا الأسلوب أيضًا عند الأصوليين (نفي العموم وعموم النفي)، و(نفي الكل ونفي الكلية)، و(نفي المجموع ونفي الجميع).
يبحث الأصوليون هذه القاعدة عند الكلام على صيغ العموم، وخصوصًا في كلامهم عن صيغتي (كل)، و(النكرة في سياق النفي).
ويبحثها علماء البلاغة في علم المعاني، في باب التقديم والتأخير، عند الكلام عن الأغراض البلاغية لتقديم المسند إليه إذا اجتمع في الجملة أداة من أدوات العموم، وأخرى من أدوات النفي.
أما المناطقة فيبحثونها عند الكلام عن القضايا الحملية وتقسيماتها من جهة الكلية والجزئية والإيجاب والسلب.
واختلفوا في النسبة بين عموم السلب وسلب العموم، فذكر بعض الأصوليين أنها عموم وخصوص مطلق، فعموم السلب أخص مطلقًا، وسلب العموم أعم مطلقًا، فكل عموم سلب هو سلب للعموم، ولا عكس[3]، وذهب آخرون إلى أن النسبة بينهما التباين، لأن سلب العموم يُفهم منه إثبات الحكم في البعض، ولا يؤثر الخلاف في مقصدنا في البحث.
محل النزاع:
المسألة التي نُصِبَت هذه المقالة لمناقشتها هي قول الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام:103]، هل هو من قبيل عموم السلب؟ وعليه، فكل بصرٍ يشمله الحكم، فلا يصح أن يُدرك الله تعالى، أم أنه من قبيل سلب العموم، فيكون المعنى: لا تدركه كلُّ الأبصار، وعليه فالنفي ليس متعلِّقًا بكل بصر على انفراد، وإنما بالمجموع، فنفي الرؤية محكوم به على المجموع ككل، وليس على الجميع بحيث يشمل كل فرد.
حاصل الكلام: أننا على القول الأول نقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} نصٌّ في أن الله لا يدركه أي بصر من الأبصار، وعلى القول الثاني يقال: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} دليل على أن الله لا تدركه كل الأبصار، ولكن يمكن أن يدركه بعضها.
القائلون بسلب العموم في الآية:
لقد كان الرازي حامل لواء القول بسلب العموم في الآية، والاعتراض به على نفاة الرؤية، وقد احتفى به كثيرًا، فأورده في عدد من كتبه، فقد أورده في نهاية العقول[4]، والإشارة[5]، والمعالم[6]، والأربعين[7]، وفي تفسيره[8]، وهذا يدل على أنه يراه من أقوى الاعتراضات على استدلال النفاة بالآية، بل إنه في بعض الكتب كان يصدِّره على غيره من الاعتراضات المشهورة كالاعتراض بالفرق بين الإدراك والرؤية ونحوه.
وممن تابع الرازي في هذا الاستدلال طائفة منهم: نجم الدين الخونجي[9]، وأبو شامة المقدسي[10]، وأبو الثناء الأرموي[11]، والقونوي[12]، وشمس الدين الأصفهاني[13]، وعضد الدين الإيجي[14]، ومحمد بن أبي بكر المرعشي الشهير بساجقلي زادة[15].
القائلون بعموم السلب في الآية:
ضعَّف مسلك الرازي هذا جملة من أهل العلم، منهم من يثبت الرؤية ولكنه لم يرتض هذا الجواب على استدلال النفاة، بل مثبتو الرؤية قاطبة -قبل الرازي- يرون الآية من قبيل عموم السلب، وعليه جرى متأخروهم بعد الرازي كما سيأتي، ولكنني سأذكر بعض من تعرض لهذا المسلك بالنقد صراحة -ولم أستقصِ-، فممن ردَّ عليه:
- من مثبتي الرؤية: ابن التلمساني[16]، وابن عرفة المالكي[17]، وأبو عبد الله السنوسي[18]، وابن أمير حاج[19]، وابن عاشور[20].
- من نفاة الرؤية: الإمام يحيى بن حمزة[21]، والعلامة إسحاق العبدي[22]، والشيخ الثميني[23]، والشوكاني[24]، والشيخ القطب[25]، والنور السالمي[26]، والسيد الوالد[27].
تقرير استدلال الرازي ومن معه في قولهم بسلب العموم:
صورة الاستدلال التي قرَّرها الرازي ومن معه[28] أنهم يقولون: إن (أل) في “الأبصار” للاستغراق لأنها صيغة جمع دخلت عليها (أل)، ومعناه أنه لفظ يشمل جميع الأبصار، فيكون النفي الداخل عليها نفيًا لهذا الاستغراق، والمعنى: لا تدركه كل الأبصار، أي: تدركه بعضها.
وقولنا: “فلانٌ لا تدركه الأبصار” منافٍ لقولنا: “فلان تدركه الأبصار” ودليله أن من أراد نقض قول الأول “فلان لا تدركه الأبصار” فإنه يقول “بل تدركه الأبصار”، ويكفي أن يكون الذي يدركه بصر واحد.
فالموجبة إذا كانت جزئية كانت السالبة المنافية لها كليَّة، لأن السالبة الجزئية لا تنافي الموجبة الجزئية كما هو معلوم في كتب المنطق، فلما كانت هذه السالبة منافية للموجبة الجزئية وجب أن تكون هذه السالبة كلية لتحقيق المنافاة بينهما، فالنفي تابع لما أشعر به اللفظ المثبت، ولما كان اللفظ المثبت عامًّا كان النفي متعلقًا بهذا العموم.
وعليه فإن الآية تنفي أن تراه جل جلاله كل الأبصار، ولكنها لا تنفي رؤية بعضها له تبارك وتقدَّس، فالنفي نفيٌ للكلِّ لا للكلِّيَّة.
بل إن الرازي زاد في اللجاج فقال: “إن الآية دليل على ثبوت الرؤية بطريق المفهوم، فإننا إذا قلنا “فلانٌ لم يضربه كل الناس” أفاد ذلك أنه ضربه بعضهم، وقولنا “إن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس” أفاد ذلك ثبوت الإيمان لبعضهم، فكذا في هذه الآية سواءً بسواء”.
وأقصى ما يصح به الاعتراض على هذا التقرير أن يقال: إنه استدلال بدليل الخطاب (مفهوم المخالفة)، فيقول الرازي مجيبًا: “هب أنه كذلك، إلا أنه دليل صحيح، لأننا لو فرضنا أنه لا يراه جل جلاله أحد لكان تخصيص السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثًا، وصون كلام الله عن العبث واجب”.
مناقشة استدلالات الرازي:
- قوله بأن (أل) في الآية للاستغراق، وعليه فيكون النفي نفيًا للاستغراق، فيصير المعنى: لا تدركه كل الأبصار. ومؤدى هذا أن تكون الآية من قبيل سلب العموم لا عموم السلب كما سبق.
وجوابه أننا نسلِّم أن (أل) هنا للاستغراق، غير أننا لا نسلِّم بالمقدِّمة الثانية، وهي أن النفي يكون نفيًا للاستغراق، بل النفي يشمل كل فرد من أفراد الأبصار، وذلك لأمور:
- أن ظاهر صنيع أئمة اللغة المتقدمين، كالجرجاني وغيره أن هذه القاعدة إنما تتعلق بأداة العموم (كل) دون غيرها من أدوات العموم؛ فحينما ذكر الشيخ الجرجاني هذا الأسلوب ربطه بـ (كل)، وجميع الأمثلة المذكورة في كلامه -كما سيأتي- متعلقة بها، وتبعه على ذلك من كتب في النحو والبلاغة.
ونص على ذلك أبو الحسين البصري فذهب إلى أن قاعدة عموم السلب وسلب العموم مما اختصت به (كل) دون باقي صيغ العموم، فإنها وإن دخل عليها النفي متقدمًا أو متأخرًا فإنه يكون لعموم السلب[29]، ووافقه القرافي[30]، وتبعهما العلائي[31]، ونسبه بعض البلاغيين المعاصرين للمحققين[32].
قال العلائي مدلِّلًا على قوله: “إذ لا يوجد مثال في نظم أو نثر يوجد منه هذا الفرق لغير (كل) ولم يتعرَّض أئمة المعاني والبيان لغيرها”[33].
فكل أحد يسمع مثلًا قولك: “ليس ماء البحر نجسًا” لا يفهم منه غير ما يفهمه من قولك “ماء البحر ليس نجسًا” من أن نفي النجاسة في العبارتين ثابت لكل فرد من أفراد ماء البحر، وعلى هذا فلا محلَّ لكلام الرازي هنا، إذ ليس في الآية لفظ (كل).
وقد يُجاب عن هذا بأن هذا التفريق بين (كل) وغيرها من صيغ العموم ليس متفقًا عليه، فقد ذهب بعض البلاغيين إلى أن القاعدة تشمل (كل) وما كان في معناها كجميع وعامة[34]، ومناقشة هذا القول خارجة عن موضوع المقالة، إذ إننا متفقون على خروج (أل) من القاعدة.
وذهب التقي السبكي إلى أن القاعدة جارية في جميع صيغ العموم[35]، وتبعه الزركشي في ذلك؛ فكل عموم دخل عليه النفي فالدلالة من قبيل سلب العموم، والعكس عموم السلب، وأجاب عن الاعتراض بالآيات التي ذُكرت بأنها لا تنقض الأصل لأنها خرجت عنه لقرينة[36].
ويُجاب عنه أن الأصل عدم القرينة، والصيغة في أصلها للعموم فلا يُعدل عنها إلا لدليل[37].
- جعلُ النفي المتقدِّم على العموم -بأي صيغة كان- دليلًا على أن المراد سلب العموم لا عموم السلب ليس سديدًا.
فإن أول من شاع عنه فتق القول بتفصيل في المسألة هو الشيخ عبد القاهر الجرجاني، والذي يظهر من كلام الجرجاني في مسألة سلب العموم أنها قاعدة كلية وليست أغلبية، فكلما تقدَّم النفي على صيغة العموم أفاد السلب[38]، فهو يقول: “فههنا أصل، وهو أنه من حُكم النفي إذا دخل على كلام، ثم كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه إلى ذلك التقييد[39]، وأن يقع له خصوصًا”[40].
وقد علَّل الجرجاني ما ذهب إليه فقال: “والعلة في أن كان ذلك كذلك أنك إذا بدأت بـ (كل) كنت قد بنيت النفي عليه، وسلَّطتَ الكلية على النفي وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي أن لا يشذ شيء عن النفي، فاعرفه”[41].
وعند الجرجاني أن سلب العموم يلزم منه ثبوت الحكم لبعض الأفراد، فإذا قلتَ: لم آخذ كل الدراهم، كان المعنى الثابت أنك أخذت بعضها[42].
وهو عين مراد الرازي في استشهاده بآية {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}، وإن كان الفخر الرازي يقيِّد اللزوم بمن يأخذ بمفهوم المخالفة، أما من ينفيه فلا يلزمه ذلك[43].
غير أن قول الجرجاني ليس مسلَّمًا عند أهل البلاغة[44] فهم ينقضون قاعدته بمثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}[لقمان:18]، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}[البقرة:276]، {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ}[القلم:10]، فقد تقدَّم النفي على صيغة العموم (كل) ومع ذلك لم يفد سلب العموم وإنما أفاد عموم السلب، لذا جعلوا القاعدة التي ذكرها الجرجاني أغلبية لا كلِّية، بل فيهم من نفى أغلبيتها أيضًا[45].
فقد يكون النفي أو النهي منصبًّا على القيد كما في كثير من الآيات مثل قوله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا}[لقمان:37]، {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}[النساء:43]؛ فالنهي عن المرح في المشي لا عن المشي مطلقًا، وعن الصلاة حال السكر لا عن الصلاة مطلقًا.
غير أن النفي والنهي ينصبُّ في أحوال كثيرة على القيد والمقيَّد، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ}[الأنعام:151]؛ فهو نهي عن القتل مطلقًا، ويشمل الصورة المقيِّدة وهي القتل بسبب الفقر، وكذا في نحو {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}[آل عمران:130]، و{وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}[البقرة:42]، و{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}[البقرة:273]، و{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18].
وسعى بعضهم للجواب عن هذا الاعتراض والانتصار لقول الجرجاني بأمور، منها:
- حاول محمد عبده أن يجعل قاعدة الجرجاني مطَّردة، فقال: “قد يُعدل عما يدل على عموم السلب إلى ما يفيد سلب العموم، والسلب عامٌّ على الحقيقة؛ للتعريض بالمخاطب، والإيماء إلى أنه شرُّ صنفه، مثلًا: إذا قلت لسفيه تعرِّض بأنه شر السفهاء: أنا لا أحب كل سفيه، فالمعنى أنه لو فُرِض أن محبتي تتعلق بسفيه لكنتَ غير موضع لها، وكذلك الذي جاء في الآية الكريمة،… فكأنه سبحانه وتعالى يقول: لو أن محبتنا تعلقت بمختال فخور، لما تعلَّقت بأولئك؛ لأن مختالهم وفخورهم شر مختال وفخور، وهكذا يقال في سائر الآيات، وما يكون ظاهره أنه من سلب العموم، وحقيقته أنه من عموم السلب”[46].
وكلامه إن استقام آيل إلى القول باطراد القاعدة، لأن النظر لدلالة الأسلوب عنده على المعنى، بقطع النظر عن كونه مجازيًّا غرضه التعريض، أو حقيقيًّا يخبر عن نفس الأمر[47].
ويعترض عليه بأن إرادة التعريض ليست في جميع الآيات التي من هذا النوع، فقوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ}[القلم:10] لا تعريض فيها، وتركيبها -على قاعدة الجرجاني- يفيد سلب العموم لا عموم السلب، وليس هو المراد اتفاقًا.
- وأجاب بعضهم بأن مبنى أصل الوضع يفيد سلب العموم، وصرف المعنى إلى عموم السلب لقرائن خارجية وأدلة تجعل حمل المعنى على سلب العموم متعذرًا.
- وأجاب بعضهم بجواب قريب من السابق وهو أن دلالة المفهوم إنما يعوَّل عليها عند عدم المعارض، وهو موجود هنا، إذ دل الإجماع على تحريم الفخر والخيلاء مطلقًا[48]، وعليه عوَّل ابن هشام في المغني[49].
وهذا الجواب وسابقه فيهما تكلُّف كما لا يخفى، إذ لا يسلَّم لهم أولًا بوجود القرائن في جميع الآيات، وثانيًا يقال لهم: فما فائدة هذه الآيات إن كانت غير عامة في جميع الأفراد؟ فإننا لا نستفيد شيئا إن علمنا أن الله لا يحب بعض المختالين وبعض المتكبرين، لأن إثبات الحكم للبعض يقتضي ألا يكون الوصف المشترك الجامع بينهم هو السبب في الحكم، وإلا لاشترك الجميع فيه.
وما عسى أن يقال في الكثرة الكاثرة من الآيات التي فيها عموم سبقه نفي وقصد عموم السلب فيها أظهر من أن يستدل له؟!
كقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}[الأعراف:56]، و{وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}[البقرة:42]، و{وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ}[البقرة:71]، و{لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}[البقرة:84]، و{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}[البقرة:168]، و{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}[البقرة:188]، و{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}[البقرة:221]، و{وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}[البقرة:221]، و{لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}[البقرة:264]، و{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا}[آل عمران:8]، و{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ}[الأنعام:151]، و{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33] إلى أضعافها من الآيات التي يقطع قارئها بأنها لعموم السلب لا لسلب العموم، فأين القرائن في كل هذه الآيات؟
ثم إن كانت كل هذه الآيات وغيرها استثنيت من القاعدة لقرينة، فليت شعري أين الآيات التي لم تستثنَ؟ فحتى لا ينقض التقي السبكي قاعدته اضطر لحمل كل هذه الآيات التي ترى على الاستثناء ليطرد قاعدته، ولا أدري ما الذي بقي فيها أصلًا!
على أن هذه القاعدة تشوِّه المعنى ولو سُلِّم أنها تُصرف للقرينة؛ فهل ترى في الذوق السليم أن زجره جل وعلا بمثل:{وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}[البقرة:42]، ومثل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء:33]؛ يُبحث فيه عن قرينة ليُحمل على عموم السلب؟!
أليس في هذا توهين لمعنى الزجر في هذه الآيات ونحوها؟ ثم لو نازع منازع في وجود القرائن في بعض هذه الآيات -وهو مصيب في منازعته- أترى يسلَّم له قوله بأنها من قبيل سلب العموم لا عموم السلب؟
على أن التقي السبكي كان كلامه عن قاعدة سلب العموم بلحاظ قواعد المناطقة ثم كساه لحاء اللغة، والمنطقيون لا ينظرون إلى أدوات العموم نظر اللغويين، فلعل غلطه وقوله بأن ألفاظ العموم تشترك في هذه القاعدة كان من هذا المنشأ[50]، والله أعلم.
وقد ذكر ابن هشام في المغني أن من الجهات التي يدخل الاعتراض فيها على المعرب “أن يراعي ما يقتضيه ظاهر الصناعة ولا يراعي المعنى، وكثيرًا ما تزلُّ الأقدام بسبب ذلك”[51].
وأشار إلى قريب من هذا قبله ابن جني في الخصائص[52].
وهذا في القواعد النحوية المستنبطة من كلام العرب فكيف بما بُني من أساسه على قواعد منطقية لا على نظر لغوي؟!
وقاس بعضهم (أل) على (كل) في الحكم إذا تعلَّق النفي بها، فجعلهما سواء في القول بسلب العموم إن تقدَّم النفي على أداة العموم، واعترض السنوسي عليه بأنه قياس لغوي مع ظهور الفارق؛ لاحتمال استعمال (أل) مع أداة العموم للحقيقة لا للاستغراق[53].
وأجاب الفهريُّ بأن الكلام حيثُ قُصِد بها العموم والاستغراق كما في محل النزاع هنا (لا تدركه الأبصار)، ونقل عن العلامة التفتازاني بأن (كل) والجمع المعرَّف باللام مستويان في الحكم إذا كانا في حيِّز النفي، والتسوية بينهما ظاهرة، وليس فيه إثبات حكم لغوي بطريق القياس[54].
على أن القياس اللغوي ليس مما اتفق العلماء على ردِّه، بل فيهم من أجازه، وممن ذهب إلى الجواز الفخر الرازي، فلا يصح أن يُلزم بما لا يلتزم[55].
والجواب: أن القياس إنما يصح ما لم يكن ثمة نص في المسألة، أما هنا فالشواهد كثيرة من القرآن ومن كلام العرب في دخول النفي على الجملة المشتملة على (أل) الاستغراقية، ولم يفهم أحد من العرب أن المراد فيها نفي العموم، بل كلهم يحملها على عموم النفي، وهذا ناقض للقياس من أساسه -أن لو سُلِّم صحة القياس في اللغة- وهذا مما يزيد احتمال إرادة سلب العموم وهاءً وضعفًا، وسيأتي في أدلة القائلين بعموم السلب ما يدعم هذا النقض إن شاء الله.
أما السعد التفتازاني المستشهد بكلامه فقد قال في المطول بعد كلام طويل “بالجملة، فالقول بأن الجمع يفيد تعلُّق الحكم بكل واحد من الأفراد مثبتًا كان أو منفيًّا مما قرره الأئمة وشهد به الاستعمال وصرَّح به صاحب الكشاف في غير موضع، فلا وجه لرفض جميع ذلك بكلام صدر عن صاحب المفتاح”[56].
وعليه فإذا كان (كل) والجمع المعرَّف متساويين في الحكم إذا اقترنا بالنفي، فالحكم أنهما لعموم السلب لا لسلب العموم.
ونقل أمير بادشاه قول بعضٍ: بما أن (أل) في الآية للاستغراق فيكون النفي نفيًا للاستغراق، فهو نفيٌ لإدراك الجنس المستغرق، ونفي إدراك الجنس المستغرق لا يستلزم نفيه مطلقًا، لجواز أن يتحقق دون استغراق، لأن استغراق الجمع دون استغراق المفرد، فلما نُفي كان نفيه دون استغراق المفرد، هذا لو قلنا إن اللام للاستغراق وأما لو كانت للجنس فلا وجه إلا عموم السلب، كقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}[آل عمران:32][57].
ومعنى كلامه: أن الجمع المعرَّف أضعف دلالة إذا نُفِيَ من المفرد المعرَّف، فقولك لا أحب الظالمين تدل على نفي حبك للظالمين، ولكن قولك لا أحب الظالم -إن أريد بها الجنس- أعرق في الدلالة على نفي الحب.
قلنا: إن قوله تعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}[الأنعام:103] لو كانت اللام فيه للاستغراق فاندراج جميع الأبصار فيه ظاهر لا يحتاج إلى بيان.
ولو كانت للجنس فهي أيضًا تدل على شمول الحكم لكل فرد من أفراد الأبصار، لأن أي فرد من أفراد أي جنس يكون ضمنه إثباتًا أو نفيًا، ودليله أن من يقول “لا أسكن الدور” لا يفهم منه إلا الامتناع من سكنى أي دار، وكذا قول من يقول “لا أعبد الأصنام” يشمل نفي العبادة عن أي صنم من الأصنام، فقول إبراهيم عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}[إبراهيم:35]؛ لا يُفهم منه إلا أنه يسأل الله تعالى أن يجنبه وبنيه عبادة أي صنم من الأصنام، ولا يمكن أن يقال بأنه يقصد عبادة جميع الأصنام، ولا يعني أنه يريد أن يجنب عبادة أي صنم منها، ولو صح هذا الوجه للزم أن لا يحنث من حلف أنه لم يعبد الأصنام ولو عبد مئات الألوف منها؛ لأنه لم يعبد جميعها، وفي هذا من قلب الحقائق ما لا يخفى[58].
وقد أجاب ابن أمير حاج بعد التسليم بأن الجمع المعرَّف أضعف من المفرد المعرَّف بقوله: “لكن هذا فيه نظر بأن الآية وما قبلها في معرض المدح، بدلالة قوله: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام:103] فيكون نفي إدراك البصر مدحًا، فيكون إدراكه نقصًا، وعدم إدراك البعض لا يزيل النقص”[59]، وسيأتي مزيد كلام عن قرينة إرادة التمدح بإذن الله.
وأغرب ابن زكري التلمساني فقال إن الجمع المنفي سواء كان معرَّفًا أو منكَّرًا لا يفيد عموم السلب، بل يفيد سلب العموم فحسب، بدليل صدق قولنا: “لا رجال في الدار”، إذا كان فيها رجل أو رجلان[60].
وجوابه: أن علماء المعاني لم يذكروا ما يقول، بل نصُّوا على عكسه في النكرة، وكلامهم في المعرَّف يدل على أنه مع النفي كالمجرَّد، نحو: {لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[آل عمران:57]، {لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}[المائدة:87]، {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}[التوبة:91]، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}[آل عمران:108]، {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}[الشورى:8]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: “لا تقتلوا النساء ولا الصبيان”[61]، ونظائر ذلك كثيرة[62].
والاستدلال بالمثال الذي استدل به وهو صدق قولنا “لا رجال في الدار” إذا كان فيها رجل أو اثنان استدلال فاسد، لأن صدق هذا المثال إنما يكون بناءً على أن استغراق المفرد أشمل من حيث إنه يستغرق الواحد فما فوقه، والجمع العام إنما يستغرق آحاد الجموع التي كان يصلح لها قبل العموم، لا الواحد والمثنى؛ لأنهما ليسا من مدلول الجمع، فخروجهما عند من يقول به يشبه خروج المرأة من عموم الرجل مثلًا، وليس لِما فهمه صاحب الاعتراض من أن خروجهما لأجل أن النفي الداخل على الجمع المنكر لسلب العموم.
ولو كان الأمر كما ظنَّ لصحَّ قولنا “لا رجال في الدار” ولو وُجِدَ فيها ألف رجل إذا غاب عنها رجل واحد؛ لأن القضية عنده جزئية سالبة، فهي بمنزلة قولنا: بعض الرجال ليس في الدار، فيصدق بغَيبة رجل واحد من الدار أن بعض الرجال ليس في الدار، ولو كان رجال الدنيا كلهم سواه في الدار![63].
أرأيت! أولًا يستدلون بأن (كل) إذا سبقها نفي كان النفي مسلطًا عليها فيصير المراد سلب العموم -ونحن ننازع في اطراد هذه القاعدة التي لا مثال لها في القرآن أصلًا- ثم يقيسون عليها أدوات العموم الأخرى وإن أعوزتهم الشواهد، بل ووقفت ضدَّهم عشرات الآيات في الكتاب العزيز، فقالوا إن جميع هذه الآيات مصروفة عن سلب العموم لقرينة!
إذًا فهو قياس مبني على أصل يُنازَعون فيه، ثم إن الفرع لا يصح قياسه به للفارق، ولورود الأدلة الناقضة للقياس من أساسه، وبهذا تعلم أن بين قولهم وبين الدليل الذي يستدلون به “يهماء تكذب فيها العين والأذن”!
- قرر الرازي في كلامه أن: قولنا: “فلانٌ لا تدركه الأبصار” منافٍ لقولنا: “فلان تدركه الأبصار” ودليله أن من أراد نقض قول الأول “فلان لا تدركه الأبصار” فإنه يقول “بل تدركه الأبصار”، ويكفي أن يكون الذي يدركه بصر واحد.
فالموجبة إذا كانت جزئية كانت السالبة المنافية لها كليَّة، لأن السالبة الخاصة لا تنافي الموجبة الخاصة كما هو معلوم في كتب المنطق، فلما كانت هذه السالبة منافية للموجبة الخاصة وجب أن تكون هذه السالبة عامة لتحقيق المنافاة بينهما، فالنفي تابع لما أشعر به اللفظ المثبت، ولما كان اللفظ المثبت عامًّا كان النفي متعلقًا بهذا العموم.
وعليه فإن الآية تنفي أن تراه جل جلاله كل الأبصار، ولكنها لا تنفي رؤية بعضها له تبارك وتقدَّس، فالنفي نفيٌ للكلِّ لا للكلِّيَّة.
أجاب ابن التلمساني على اعتراض الرازي بأن مناقضة الكلية الموجبة هي الجزئية السالبة مسلَّم، ولكن مناقضة الكلية السالبة لها من باب أولى؛ فالكل متفق أن قولنا “جميع الطلاب قام” يعارضه “زيد لم يقم”، ولكن معارضة “لم يقم أحد من الطلاب” متحققة أيضًا، فقولنا إن نقيض الكلية الموجبة هي الجزئية السالبة معناه أن الجزئية السالبة كافية لنقض الكلية الموجبة، لا أنه لا وجه لمناقضة الكلية الموجبة إلا بها، وهذا أظهر من أن يستدل عليه[64].
وعلَّل الكوراني جعل الآية من قبيل السالبة الجزئية بأنها مثل (ليس كل)، و(ليس كل) من أسوار السالبة الجزئية، لأن قواعدهم كلِّية، و(ليس كل) محتمل للسلب الكلي والجزئي، لكنه لما كان الجزئي متحققًا قطعا في ضمن الكلي جعلوه للسلب الجزئي؛ لأنه نص في السلب الجزئي.
ومع احتمال الآية للمعنيين لم يبق فيها حجة للمستدلين بها على نفي الرؤية، لأن أبصار الكافرين لا تدركه إجماعًا.[65]
جوابه: أن هذا الكلام لا وجه لإيراده في هذا المقام، فالفرق بين (ليس كل الأبصار تدركه) و(لا تدركه الأبصار) أظهر من أن يستدل عليه، فالنفي الداخل على (كل) رافع لمقتضاها قبل دخوله، ومتسلط عليه، حتى صار احتمال السلب الكلي مرجوحًا، بخلاف الآية، فإن النفي متوجه إلى إدراك الأبصار، فلو ثبت فرد من الإدراك لم يصدق النفي في الآية[66].
قال الكوراني: هذا نقوله إذا ثبت أن اللام في الجمع للاستغراق، وإلا عكسنا القضية وقلنا (لا تدركه الأبصار) سالبة مهملة، وهي في قوة الجزئية، فالمعنى (لا تدركه بعض الأبصار) وتخصيص البعض بالنفي يدل بالمفهوم على الإثبات للبعض الباقي، فالآية حجة لنا لا علينا[67].
وجوابه: أن هذا الاعتراض يصح لو حملنا اللام في (الأبصار) للعهد، لا للاستغراق ولا للجنس، ولا يصح هذا؛ لأن الآية في سياق التمدح، ومقصود التمدح لا يتم لو حملناها على العهد، على أنه لا معهود يصح أن يطبق معنى الآية عليه، ولو فرضنا أن ثم معهودًا فهل يمكن أن يكون نفي الشيء عن معهود ما يقتضي إثباته لغيره؟ هذا من قبيل الأخذ بمفهوم اللقب الذي هو أضعف المفاهيم ولا يسوغ الأخذ به عند جماهير أهل العلم في أي مسألة، فكيف بمسألة قام الدليل القطعي على خلاف المفهوم الذي فهموه منها؟[68][69].
بل لو ثبت هذا المفهوم للزم إثبات الجسمية له تعالى؛ لأن تخصيص الجوانب والحدود بنفي الرؤية عنها يدل على إثبات الرؤية لما وراء الجوانب والحدود، كما في نفي رؤية حدود الدار وجوانبها؛ فإنه يدل بمفهومه على إثبات رؤية وسط الدار وسطحها[70].
وهذا العكس رفضه بعض الأشاعرة أيضًا قال السيالكوتي في حاشية شرح المواقف معقِّبًا على كلام الشريف الجرجاني: “(فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار) إنما يستقيم إذا كانت المهملة مرادفة للجزئية، وكونها في قوتها لا يفيد المرادفة، ولهذا اعتُرض عليه بأن الجنس في حيِّز النفي يفيد العموم اتفاقًا، نحو: ما جاءني الرجل، وإنما الاحتمال لعموم السلب وسلب العموم عند قصد الاستغراق، فكيف بعكس القضية على تقدير حمل اللام على الجنس، ولو ثبتت المرادفة لاندفع الاعتراض إذ تصير الآية حينئذ حجة إلزامية حيث يرجع قيد البعضية إلى النفي، كما أرجع المستدل قيد العموم على تقدير الاستغراق إليه فتأمل”[71].
على أن بعض أهل النظر من الأشاعرة يرى أن مهملات القرآن في حكم المسوَّرات، فقولك (تدركه الأبصار) لو كان قرآنًا لكانت قضية مسورة في المعنى، وإن خلا لفظها من السور؛ لأنه اللائق بالفصاحة القرآنية[72].
ويقول الكاتبي مؤكدًا دلالة الآية على نفي الأبصار وأن كلام الرازي ومن تبعه لا يصحُّ منطقيًا: “إنه تعالى عنى بقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} أن لا يدركه واحد من الأبصار، وذلك يقتضي أن لا يدركه شيء من الأبصار في شيء من الأوقات أصلًا؛ لأن قولنا: (تدركه الأبصار) بالإطلاق العام يناقض قولنا (لا تدركه الأبصار)، بدليل أنه يستعمل كلُّ واحد منهما في كذب الآخر، وإنما يتناقضان أن لو كان المراد من السالبة المذكورة: هو السالبة الكلية الدائمة؛ لِما عرفتَ في المنطق؛ أن المطلقتين العامتين لا تتناقضان؛ لجواز صدق كل واحدة منهما مع الأخرى في زمانين مختلفين. وإذا كان كذلك؛ وثبت صدق قولنا (لا يدركه شيء من الأبصار في شيء من الأوقات) لزم كذب قولنا (تدركه الأبصار)؛ لأن صدق أحد النقيضين موجب لكذب الآخر، وإذا ثبت كذب قولنا (تدركه الأبصار) ثبت كذب قولنا (يدركه بصر واحد أو بصران)؛ لعدم القائل بالفصل”[73].
وبعد هذا كله فإننا نقول ما استدلوا به مبني على قول بعض المناطقة الذين يرون أن النفي في ذلك مقدَّر الدخول على العموم -لو سلَّمنا بأنه صحيح منطقيًا-، وهو غير ملتَزَم، فإن مبنى الاحتجاج عندنا على أساليب التنزيل الحكيم على المعهود من كلام العرب، لا على ما يقرره أهل الميزان، وإلا لأدَّى هذا لاختلال الفهم في كثير من الآيات النظيرة لهذه الآية كما تقدَّم ذكره[74].
وهذا ما احتجَّ به أبو سعيد السيرافي على متّى المنطقي حيث يقول: “إذا كان المنطق وضعه رجل من يونانَ على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم التُّرك والهند والعرب أن ينظروا فيه، ويتخذوه قاضيًا وحَكَمًا لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكر رفضوه؟”[75].
وفي مثل هذا تصدق المقولة المنسوبة للشافعي: “ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس”[76].
وقد نبَّه إلى هذا المعنى غير واحد من أهل العلم، كالمازري[77]، والشاطبي[78].
وبعد مناقشة الاستدلالات التي نَصَبها الرازي ومن معه وبيان ضعفها تبيّن أن حمل الآية على سلب العموم ضعيفٌ جدًّا، ومع هذا فهو مناقض لجملة من الأدلة التي اعتمد عليها القائلون بعموم السلب في الآية.
أدلة القائلين بأن الدلالة في الآية على عموم السلب لا سلب العموم:
- أن الصحابة الذين نُسِب إليهم القول بإثبات الرؤية والذين قالوا بنفيها متفقون على أن الآية لعموم السلب، فأما الذين قالوا بنفي الرؤية فأشهر ما روي أثر السيدة عائشة رضي الله عنها أنها استدلَّت على تكذيب من قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}[79]، ولو كانت ترى أن الآية لسلب العموم ما كان لها في الآية متمسك كما هو ظاهر.
واعترض الفخر الرازي على الاستدلال بقول السيدة عائشة بأن “معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد”[80].
وهو مردود بأن الصحابة عرب أقحاح، وكانوا يفهمون مقاصد الكلام بسليقتهم، وقد عايشوا تنزيل الكتاب العزيز، فهم أولى الناس بفهم دلالاته ومعانيه، وبهذا تعرف أن استدلالنا بفهم عائشة ليس تقليدًا كما زعم الرازي، بل هو من الأخذ بكلام أهل اللغة لفهم كلام الله تعالى الذي نزل على سننهم، على أننا لو رجعنا إلى كلام أهل اللغة لما وجدنا تباينًا بين ما قالوه وبين ما ذهبت إليه السيدة عائشة رضوان الله تعالى عليها[81].
أما الذين نُسب لهم القول برؤية الله تعالى[82] فإنهم فسَّروا الآية بتفسيرات يلزم منها القول بأن الآية لعموم السلب، فمن تلك التفسيرات:
- تفسير الإدراك بالإحاطة: فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فسّر الآية بقوله “لا يحيط بصر أحد بالملك”[83]. فهو ينفي أن يحيط بصر أي أحد بالله جل جلاله، وهذا لا يستقيم إلا إن حملنا الآية على عموم السلب.
- تفسير الآية بأنها حين يتجلى بنوره الذي هو نوره: وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، فقد روي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سُئل هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم، رأى كأن قدميه على خضرة دونه ستر من لؤلؤ، فقلت: يا ابن عباس، أليس يقول الله: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)؟ قال: يا لا أم لك! ذاك نوره وهو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء[84]. فقد سلَّم ابن عباس هنا لعكرمة بأن الآية دالة على نفي الرؤية، إلا أنه حملها على حال تجليه بنوره الذي هو نوره، وهذا لا يستقيم أيضًا إلا إن كان المراد بالآية عموم السلب.
- أن العلماء قبل الرازي -منكر الرؤية ومثبتها- متفقون على أن الآية لعموم السلب، كما سبق بيان شيء منه في الآثار المنسوبة للصحابة، فإن مثبتي الرؤية يدفعون استدلال المثبتين بوجوه كلها تقتضي أن الآية من قبيل عموم السلب لا سلب العموم:
- أن الإدراك يُقصد به الإحاطة، فالنفي للإحاطة لا للرؤية، وهذا الوجه الذي يذكره أكثر الذين حاولوا الرد على استدلال النفاة بهذه الآية[85]، وهذا لا يستقيم إلا إن كانت الآية لعموم السلب كما تقدم.
- أن النفي وإن كان يعم الأشخاص فإنه لا يعم الأزمان، وهو الوجه الذي اعتمده إمام المذهب أبو الحسن الأشعري[86]، وقولهم لا يعم الأزمان لم يلجئهم إليه إلا فهمهم أنهم فهموا العموم من الآية[87].
- أن الآية دلت على نفي رؤية الأبصار لله جل جلاله، إلا أنها لا تدل على أن المبصرين لا يرونه.
- أن عموم الآية مخصوص بالأدلة المثبتة للرؤية.
على أن للرازي وجهًا بعيدًا ذكره في تفسيره حاول به إثبات وقوع الرؤية بالآية الكريمة! ولستُ هنا بصدد مناقشة ما قاله غير أنه لو تأمل الوجه الذي ذكره للاح له أنه يخدش أيضًا قوله بأن الآية من قبيل سلب العموم[88].
وقد تجنَّب الرازي مناقشة هذا الإشكال، بل كان يذكر هذه التوجيهات مع توجيهه بأن الآية يراد بها سلب العموم، ولم يناقش التعارض بينها، مع ظهوره جليًّا بأدنى تأمل، ولا يصح أن يقال إنه يقول بأن الآية يراد بها سلب العموم، فإن لم يسلِّم له مخالفه بهذا الوجه اعترض عليه بالوجه الآخر، لأن أوجه الاعتراض لا تقوم على سبيل البدلية، ولا علاقة لها بالموافق ولا المخالف، فهي إما أن تكون صحيحة في ذاتها فتنقض القول بسلب العموم، أو يكون القول بسلب العموم صحيحًا فينقضها، أو تكون الأوجه جميعًا فاسدة، وهو ما نقول به!
3- أن الأصوليين والبيانيين نصوا أن النفي السابق للجمع المحلى بـ (أل) إن أمكن حمل (أل) على الجنس فهو لعموم السلب لا لسلب العموم، فيحنث الحالف ألّا يشتري العبيد، ولا يتزوج النساء، إن اشترى عبدًا واحدًا أو تزوج امرأة واحدة باتفاق، يدل عليه قوله تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}[الأحزاب:1]،{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}[غافر:31].
4- أن القرآن الكريم على كثرة ما فيه من اقتران الجمع المعرَّف باللام بالنفي لم يأت في أي من هذه المرات لسلب العموم، بل جاء في جميعها لعموم السلب، وهذا أسلوب مطَّرد[89]، بل إنه لم يوجد في استعمال الفصحاء من العرب أن اقترن الجمع المعرَّف باللام بالنفي وأريد به سلب العموم[90].
ولو فرضنا وجود شيء من ذلك في شوارد الشواهد فإن القرآن الكريم ينزَّه عن غرائب اللغة، بل القاعدة ألا تنقض القواعد بمفاريد الشواهد، فإن كانت هذه القاعدة لحفظ كلام سائر الناس، فحفظ كلام الله تعالى أولى وأحرى، كما قال الزمخشري “من حقِّ مفسِّر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز: أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حُسنه والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدِّي سليمًا من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل”[91].
وقال قبله الطبري “الكلام إذا تنوزع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم يأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها”[92]
ويقول أبو حيان الأندلسي “كلام الله تعالى أفصح الكلام؛ فلا يجوز فيه جميع ما يجوِّزه النحاة في شعر الشمَّاخ والطِّرِمَّاح وغيرهما من سلوك التقادير البعيدة، والتراكيب القلِقَة، والمجازات المعقَّدة”[93].
فكيف ولا دليل من شعر الشماخ ولا الطرماح بله غيرهما من الشعراء؟!
5- أن الأصوليين يذكرون أن صحة الاستثناء معيار العموم، وفي هذه الآية يصح الاستثناء لغة، فلو قيل (لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان) لصحَّ لغةً، ولو كان التعبير لسلب العموم لما صحَّ الاستثناء، فثبت أنه لعموم السلب[94].
6- أن هذه الآية جاءت في سياق التمدح له سبحانه وتعالى[95]، وإدراك بعض الأبصار له جل وعلا مناقض لهذا التمدح، بل يجعل الله تعالى مساويًا لغيره من المخلوقات؛ فهي مما يدركه بعض الأبصار كذلك، بل إن الأصنام التي يعبدها المشركون مما يصلح عليه هذا الوصف أيضًا، فلو كان ثمة ممدحة بنفي بعض الأبصار عن رؤيته جل وعلا لكان في هذا حجة لعبدة الأصنام في عبادتهم لها[96]، سيما أن الآية جاءت في سورة الأنعام المكية التي كان موضوعها التوحيد لله تعالى ودحض ما يناقضه من الشرك به عز وجل.
يقول ابن عاشور: “وذلك تعريض بانتفاء الإلهية عن الأصنام التي هي أجسام محدودة محصورة متحيزة، فكونها مدركة بالأبصار من سمات المحدثات، لا يليق بالإلهية، ولو كانت آلهة لكانت محتجبة عن الأبصار“[97].
ولو جاز جعل هذه الآية من قبيل سلب العموم لجاز مثل ذلك في نظائرها من الآيات التي فيها تمدُّح لله عز وجل[98]، وعليه فلو فرضنا صحة قاعدة سلب العموم فيما تقدَّم فيه النفي على العموم لكان تقييده واجبًا بحال الخلو عن القرائن الصارفة، وهذا ما ليس متحققًا في هذا المثال.
واعتُرض بأن قرينة التمدح حاليَّةٌ لا لفظية، فلا يُترك مدلول اللفظ لأجلها، بل قد يُقلب الدليل بأن يقال: إن القرينة تدل على أن الآية مسوقة سياق تمدُّح، ونفي الرؤية مطلقًا لا تمدُّح فيه، بل التمدُّح في احتجاب الله عز وجل عمّن يشاء، وإنعامه بالرؤية على من يشاء[99].
والجواب: أن حصر قرينة المجاز في القرائن اللفظية -على فرض التسليم بعدم وجودها في السياق- ظاهر الفساد عند المحققين من القائلين بالرؤية قبل نفاتها، وإن كان ثمة خلاف في المسألة[100].
7- أن الأصل في اللغة هو عموم السلب لا سلب العموم؛ لأن صيغة العموم في هذا الأسلوب هي المسند إليه، ومحلُّه التقديم عند أهل اللغة لأنه المحكوم عليه، ومرتبة المسند التأخير لأنه الحكم، ولذا يكون الأصل تقديم صيغة العموم على النفي؛ لأن الصيغة محكوم عليه، والنفي مع الفعل حكم[101].
وهذه الأدلة تؤكد ما سبق من ضعف مسلك الرازي ومن تبعه في هذه المسألة، ولذا قال السنوسي بعد ذكره لجواب الرازي هذا “وهذا الجواب الأخير أضعف الأجوبة، ولهذا أخرته”[102].
وبعد ما سبق فإنني أرجو أن أكون وُفِّقت لعرض المسألة كما ينبغي، وآمل أن يكون هذا المقال قد فتح شهية القارئ لبحث نظائر هذه الآية مما جرى فيه التنازع هل هو من قبيل سلب العموم أو عموم السلب، فمن ذلك أن الرازي أيضًا قال بسلب العموم في آيات أخرى، كما في قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر:18]، فقال: إن الآية لسلب العموم لا لعموم السلب، ومعنى ذلك أن في الآية بشرى -ويا لها من بشرى!- لبعض الظالمين بشفيع وحميم يطلب لهم الشفاعة فيستجاب له طلبه[103].
وكذا جرى الخلاف في آية آل عمران في المحكم والمتشابه:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}[آل عمران:7] هل هي من قبيل سلب العموم أو عموم السلب، فعلى الأول لا أحد يعلم جميع التأويل إلا الله، وأما بعض التأويل فيعلمه غير الله، وعلى الثاني فلا يعلم أحد تأويله مطلقًا إلا الله[104].
والله أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[1] التهانوي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، (1/965).
[2] هذا عند الأصوليين والبيانيين -على تفصيل- أما المناطقة فلا عبرة بالمفهوم عندهم.
[3] ابن المعلا الشافعي، الليث العابس في صدمات المجالس، ص123.
[4] نهاية العقول في دراية الأصول، (3/79-80).
[5] الإشارة في أصول الكلام، ص103.
[6] معالم أصول الدين (مطبوع مع شرحه للخونجي)، ص447.
[7] الأربعين في أصول الدين، ص210-211.
[8] مفاتيح الغيب، (13/98).
[9] شرح كتاب معالم أصول الدين، ص447.
[10] ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري، ص88-89.
[11] لباب الأربعين، ص212.
[12] حاشية القونوي على البيضاوي، (8/226).
[13] مطالع الأنظار، (2/243)، وكذا في تفسيره المسمى: (أنوار الحقائق الربانية في تفسير اللطائف القرآنية)، (5/599-600).
[14] المواقف، ص309.
[15] نشر الطوالع، ص427.
[16] شرح معالم أصول الدين، ص403.
[17] المختصر الكلامي، 875-876.
[18] شرح العقيدة الكبرى، ص489-494. وهو من أوفى ما وجدتُ في الجواب عن استدلال الفخر.
[19] التقرير والتحبير، (1/244).
[20] التحرير والتنوير، (7/415). ولفظه: “وأحرى أن لا دلالة فيها على جواز رؤيته تعالى في الآخرة. ومن حاول ذلك فقد تكلَّف ما لا يتمُّ كما صنع الفخر”. وعبارته هذه فيها توهين لوجهَي استدلال ذكرهما الرازي ليثبت أن الآية دليل على الرؤية، أحدهما الوجه الذي نحن بصدده.
[21] التمهيد في شرح معالم العدل والتوحيد، (1/296).
[22] إسحاق بن محمد، الاحتراس عن نار النبراس، (4/442-448) وفيه فوائد ليست عند غيره، غير أنه مما ينبغي أن ينتبه له أن الكتاب كتاب جدلي، يكثر فيه صاحبه من الاعتراضات والإلزامات التي قد لا تلزم المخالف، كما أنه قد أجاب عن بعض الاعتراضات بإجابات هزيلة لا تُغني، كما آذى نفسه حين أورد عليه المخالف الروايات المثبتة للرؤية فأجاب: “أن مدار الروايات في الرؤية على مثل أبي هريرة، وجرير بن عبد الله البجلي، وأنس بن مالك. وثلاثتهم غير مرضيين عند الجمهور من أهل البيت”. الاحتراس، (4/381)، والكتاب بحاجة إلى دراسة مستوفية.
[23] معالم الدين، (2/37-38).
[24] في رسالته التي سماها (البغية في مسألة الرؤية) ضمن مجموع رسائله المطبوعة بعنوان (الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني) (2/735-736). وقد كتب هذه الرسالة إبان اعتقاده بمعتقد الزيدية، والعجب أن يرجع بعد نقله لكلام السعد التفتازاني في تضعيف هذا الاستدلال إلى الأخذ به في تفسيره وكأن كلام السعد لم يكن!
[25] أجاب الشيخ القطب عن هذا الاعتراض في جملة من مؤلفاته، انظر على سبيل المثال: هميان الزاد إلى دار المعاد، (6/1/203-206)، شرح أصول تبغورين، ص 498، حاشية القناطر، (2/ ورقة 15)، الرسالة الشافية، ص65-66. والمراجع الثلاثة الأخيرة مخطوطة، وإحالتي إليها بدلالة: مصطفى بن الناصر وينتن، آراء الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش العقدية، ص135.
[26] مشارق أنوار العقول، ص376.
[27] برهان الحق، (4/411-415).
[28]سعيت قدر طاقتي لجمع كل أدلتهم وبيانها بأحسن ما قرروا به قولهم، على طريقة الرازي نفسه في الاجتهاد في حشد أدلة الخصوم قدر طاقته، وقد بيَّن الرازي أن هذا كان وُكدًا له وقصدًا في مقدمة (نهاية العقول) حيث يرى أن لكتابه ميزات تميزه عن غيره من الكتب منها: “الاستقصاء في الأسئلة والجوابات والتعمق في بحار المشكلات، على وجه يكون انتفاع صاحب كل مذهب بكتابي هذا ربما كان أكثر من انتفاعه بالكتب التي صنفها أصحاب ذلك المذهب، فإني إنما أوردت من كل كلام زبدته، ومن كل بحث نقاوته، حتى إني إن لم أجد لأصحاب ذلك المذهب كلامًا يُعوَّل عليه أو يلتفت إليه في نصرة مذهبهم وتقرير مقالاتهم استنبطتُ من نفسي أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير ذلك المذهب، وتحرير ذلك المطلب، وإن كنا بالعقبة نرد على كل رأي ونزيِّف كل رؤية، سوى ما اختاره أهل السنة والجماعة، ونبيِّن بالبراهين الباهرة والأدلة القاهرة أن ذلك هو الذي يجب الانقياد له بالسمع والطاعة”. نهاية العقول في دراية الأصول، (1/26)
فمن ذلك قوله في معرض ردِّه على بعض شبه الإمامية على عصمة الإمام: “هذه الشبهة كانوا يرتبونها على وجوه سخيفة، ونحن رتبناها لهم على هذا الوجه“. الأربعين في أصول الدين، ص422.
على أنه قد حُكي عنه الاعتذار على سلوكه هذه الطريقة في آخر حياته كما ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (43/222)، وابن السبكي في طبقاته (8/92).
وللغزالي كلام يرد فيه على من اعترض عليه لسلوكه هذا المسلك تجده في المنقذ من الضلال ص158-160. وهذا الاستطراد مستفاد من كتاب (قواعد وضوابط منهجية للردود العقدية) (1/135-140).
[29] المعتمد، (1/226).
[30] العقد المنظوم، (1/352).
[31] تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، ص286.
[32] محمود توفيق سعد، دلالة الألفاظ على المعاني عند الأصوليين، ص242.
[33] تلقيح الفهوم، ص286.
[34] محمود العقدة، محاضرات في البلاغة، ص7، وعبد العظيم المطعني، خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، (2/92).
[35] نقله ابنه في الإبهاج (4/1243)، وانظر: عروس الأفراح لابنه أحمد، (1/362).
[36] البحر المحيط، (3/69).
[37] تلقيح الفهوم، ص289.
[38] دلائل الإعجاز، ص284-285.
[39] العموم من أبواب التقييد عند البلاغيين.
[40] المرجع السابق، ص279.
[41] المرجع السابق، ص285.
[42] المرجع السابق، 283.
[43] الفخر الرازي، نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز، ص126.
[44] كان من حَمَلة لواء النقض على الجرجانيِّ في هذه المسألة السعدُ التفتازاني، فقد كان كثير اللهج بها في كتبه البلاغية (المطول) و(المختصر)، والعقدية (شرح المقاصد)، والأصولية (التلويح على التوضيح لمتن التنقيح)، والتفسيرية (حواشي الكشاف).
[45] انظر على سبيل المثال: الإنجاز بوعد التعليق على دلائل الإعجاز (مطبوع مع الدلائل)، للطاهر ابن عاشور، ص339-352. وقال ص348: “واعلم أن الزمخشري لم يتابع الشيخ عبد القاهر على هذا المذهب، ولا تابعه عليه صاحب المفتاح؛ فلذلك لا تجد لهذا المبحث أثرًا في الكشاف ولا في المفتاح، ولكن العلامة التفتازاني ادعى في المطول أن هذا الحكم أكثري لا كلِّي، وأنا أرضى له بذلك”، وسياق كلامه يدل على أن قوله: “وأنا أرضى له بذلك” لا يراد به الحقيقة وإنما التنزّل.
[46] نقله عنه الدكتور فضل حسن عباس، في كتابه: البلاغة فنونها وأفنانها، ص225-226. وانظر كذلك: عبد الرحمن البرقوقي، شرح التلخيص في علوم البلاغة، ص88.
[47] قاعدة عموم السلب وسلب العموم وتطبيقاتها الأصولية، د. يحيى الظلمي، ضمن مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد 32، ص89.
[48] تحفة المحتاج، (8/168).
[49] مغني اللبيب، ص268.
[50] أحكام كل وما عليه تدل، ملحق بتلقيح الفهوم، ص590-591، وقد انتبه لتأثُّر هذه المسألة بالنظر المنطقي د. عبد الرحمن الميداني، فقال: “فمعنى كلٍّ من الجملتين [يعني: الجملة الدالة على عموم السلب والدالة على سلب العموم] قد أُخِذ عقليًّا من تسليط النفي على العموم، ومن تسليط العموم على النفي، ولم يؤخَذ من دواعٍ بلاغية، وهذا الموضوع هو من اهتمامات علماء المنطق وعلماء أصول الفقه”. انظر: البلاغة العربية، له، (1/367-369).
[51] مغني اللبيب، ص655.
[52] يقول ابن جني تحت عنوان (باب في تجاذب المعاني والإعراب): “هذا موضعٌ كان أبو علي [يعني شيخه الفارسي] رحمه الله يعتاده ويُلِمُّ كثيرًا به، ويبعث على المراجعة له، وإلطاف النظر فيه، وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعرابَ والمعنى متجاذبين، هذا يدعوك إلى أمر وهذا يمنعك منه، فمتى اعتَوَرا كلامًا ما أمسكتَ بعروة المعنى وارتحت لتصحيح الإعراب”. انظر: الخصائص، (3/258).
ومعنى كلامه أنك تراعي المعنى بالأصالة، وأما الإعراب فإنك تخرِّجه على أي وجه يصحُّ به.
[53] شرح العقيدة الكبرى، ص493.
[54] أبو عمر بن عبد الله الفاسي الفهري، طلائع البشرى فيما يتعلق بشرح العقيدة الكبرى، (2/566).
[55] انظر قوله في مسألة القياس في اللغة: المحصول من علم الأصول، ص184-192.
[56] المطول، ص173.
[57] أمير بادشاه، تيسير التحرير، (1/210-211).
[58] برهان الحق، (4/413-414).
[59] التقرير والتحبير، (1/244).
[60] ابن زكري التلمساني، بغية الطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب، ص273.
[61] رواه البخاري (3015)، ومسلم (1744).
[62] شرح العقيدة الكبرى، ص492-493.
[63] شرح العقيدة الكبرى، ص493-494. وقد دارت بعد ذلك مساجلة بين ابن زكري والسنوسي في هذه المسألة نقلها اليوسي في حواشيه على كبرى السنوسي (3/184-186) ولا طائل في نقلها.
[64] شرف الدين عبد الله بن محمد الفهري، شرح معالم أصول الدين، ص403، والسنوسي، شرح العقيدة الكبرى، ص489.
[65] الكوراني، نور النبراس. والكتاب مخطوط حتى كتابة هذه الأسطر، ولكن العبدي استوفاه في كتابه فعرضه فقرة فقرة مع النقد، والنص في الاحتراس (4/426-427).
[66] الاحتراس عن نار النبراس، (4/444-445).
[67] الاحتراس، (4/427).
[68] برهان الحق، (4/414-415).
[69] الاحتراس، (4/446).
[70] الاحتراس، (4/447).
[71] شرح المواقف مع الحواشي، (8/157).
[72] الاحتراس، (4/447).
[73] الكاتبي، المفصل في شرح المحصل، ص1018.
[74] عبد العزيز الثميني، معالم الدين، (2/38).
[75] أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، ص78.
[76] الذهبي، تاريخ الإسلام، (9/170). غير أن في إسنادها من لا يُعرف، قال الذهبي عن هذه المقولة “هذه حكاية نافعة لكنها منكرة، ما أعتقد أن الإمام تفوَّه بها، ولا كانت أوضاع أرسطاطاليس عرِّبت بعدُ البتة. رواها أبو الحسن علي بن مهدي الفقيه، حدثنا محمد بن هارون، حدثنا هميم بن همام، حدثنا حرملة. ابن هارون مجهول” سير أعلام النبلاء (10/74).
[77] المُعلم مع إكماله، (6/466).
[78] الموافقات، (5/522).
[79] روى هذا الأثر جملة كبيرة من أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، انظر مثلًا: البخاري (4855)، ومسلم (177).
[80] الرازي، التفسير الكبير المسمى (مفاتيح الغيب)، (13/134)، وكلامه لم يكن في سياق الحديث عن عموم السلب وسلب العموم، ولكنه في معرض ردِّه على تمسك النفاة بقول عائشة رضي الله عنها فحسن نقله هنا لوروده -لو صح- على الاستدلال بقولها.
[81] برهان الحق، (4/385-386).
[82] انظر نقد تلك المرويات التي تنسب للصحابة والتابعين في تفسير (لا تدركه الأبصار) بنفي الإحاطة ونحوها في: الحجري، علي بن محمد، الميزان القسط، ص170-189.
[83] تفسير الطبري، (7/299).
[84] المستدرك على الصحيحين، (3234).
[85] انظر على سبيل المثال: الجرجاني، شرح المواقف، (8/156)، والرازي (13/131)، والنسفي، (2/40).
[86] اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص171.
[87] وقد حاول أبو الثناء الأصفهاني التوفيق بين هذا المسلك ومسلك الرازي في القول بسلب العموم بكلام غريب تركته اختصارًا، انظر: الأصفهاني، أنوار الحقائق الربانية، (5/600).
[88] مفاتيح الغيب، (13/131).
[89] التفتازاني، شرح المقاصد، (4/203)، والشوكاني في فتاويه (2/736).
[90] الاحتراس، (4/442)، وسبق ذكر كلام الحافظ العلائي بنفس المعنى.
[91] الكشاف، (1/68).
[92] تفسير الطبري، (9/298).
[93] البحر المحيط، (1/12).
[94] لبعض الأصوليين اعتراضات على جعل الاستثناء معيارًا للعموم، غير أن اعتراضاتهم أن لو سُلِّمت لا ترد على هذه الصورة، والله أعلم.
[95] أبو القاسم البرادي، البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق أسرار ومعاني كتاب العدل والإنصاف، (2/573-575). (مطبوع ضمن الموسوعة الأصولية الإباضية).
[96] برهان الحق، (4/412).
[97] التحرير والتنوير، (6/250).
[98] مشارق أنوار العقول، ص376. وغيره، فعموم المعترضين على كلام الرازي ذكروا هذا الوجه.
[99] ابن زكري، بغية الطالب، ص273.
[100] شرح العقيدة الكبرى، ص494.
[101] جواهر البلاغة، ص123.
[102] شرح العقيدة الكبرى، ص489.
[103] تفسير الرازي، (17/503-505)
[104] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (17/390).
Loading Viewer…



