المقال الثاني من مقالات صحيفة الأسد الإسلامي للباروني: الجامعة الإسلامية وأوروبا والمذاهب في الإسلام

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي
الجامعة الإسلامية وأوروبا والمذاهب في الإسلام([1])
شاع ذكر الجامعة الإسلامية في الجرائد العربية والإفرنجية، وخطب بها الخطباء في المجتمعات العمومية حتى ملأت أسماع أوروبا فاهتزت لحادثها المهول، وأعارته أُذُنًا صاغية، وذهبت في تفسيرها وبيان معناها مذاهب مختلفة، ومآل الكل تأويلها بما يقضي عليها بالتقهقر من هذا التقدم الباهر، والوقوع في شَرَك ربما قَضَى على مستقبلها بالاضمحلال.
وهو وَهْمٌ ناشيءٌ عن الرُّعب الكامن في صدورها مما ارتكبته من سوء المعاملة مع مستعمراتها الإسلامية وغيرها؛ شأن كل مُعْتَدٍ شَعَر بتجاوز اعتدائه حد التحمل، وعَلِمَ (أن الظُّلْمَ لا يدومُ وإن دام دمر).
رأى كُتَّابُ أوروبا أن المسلمين ساعون في ضمِّ كلمتهم واتحادِ رأيهم وجمع شتاتهم أينما كانوا في أطراف المعمورة، حتى إذا كانوا يَدًا واحدة على قلبٍ واحد ناقشوا أوروبا الحساب، وناصبوها الحرب، وردُّوها إلى حافرتها الضيقة الأرجاء فيما وراء البحر الأبيض شمالًا، وتخلَّصُوا من حمل سيادتها الثقيل، ووطأةِ حكمها القاسي (الذي علمت هي حقَّ العِلْمِ؛ أنه هو السبب الثاني للنفور منها)، وعندئذٍ يتَّحِدُون على الاستظلالِ بظل لواءٍ واحدٍ، وتكون وجهتهم نحو رجلٍ واحد كما كانوا في صَدْرِ أيَّامهم السعيدة التي دَوَّخوا فيها الشَّرْقَ والغرب، وقلَّصُوا ظل الأكاسرة، ونَكَّسُوا أعلام الملوك والقياصرة، وأذَلُّوا كلَّ جَبَّارٍ عنيد سعيًا وراء إعلاء كلامة دينهم (كلمة الله)، ونشر شريعتهم السَّهْلَة السمحاء، حيث كانوا ولا خلاف بينهم فيها، (توهَّمَتْ أوروبا هذا الوَهْمَ وقرنت معه غيره، فقامت في [الأيام الأخيرة]([2]) مُتيقظة تخطب ود بعضها بعض، وتبرم المعاهدات، وتؤكد الاتفاقات على التعاضد والتعاون في حفظ ممالكها ومستعمراتها، نابذةً أمر الدِّين ظهريًّا، وتواصت بالضَّغْت([3]) على المسلمين وتشتيت أفكارهم، وأذاعت كل ما يوجب النُّفُور بينهم وبين ملوكهم وأمرائهم حتى لا تقوم لهم قائمة، ولا يسمع لهم ذكرٌ؛ ظَنًّا منها أن لجملة (الجامعة الإسلامية) معنى في الوجود كان واندرس وسيعود، أو لم يكن من قبل وسيُكَوِّنُهُ رجال مسلمِي هذا العصر المطبوعون على حُبِّ الاختلاف إلا من شاء الله منهم.
ما أخطأت أوروبا في تفسير هذه الجملة بهذا المعنى الذي توهَّمَتْهُ؛ لأنَّه هو المعنى الحقيقي الذي وضعت له)؛ إلا أن تحققه في الخارج الذي جعلته أقرب من قاب قوسين أو أدنى، مما لا دليل له ظاهر، ويا ليته يصح فيسعد الزَّمَان والمكان وأهلهما، وتتيقن أوروبا أن الإسلام دين علمٍ وعملٍ وجِدٍّ وحياةٍ وعدلٍ وعمرانٍ ورُقِيٍّ؛ لا كما تقول الآن.
إنا لا ننكر كما لا ينكر كلُّ من له أدنى إلمامٍ بأحوال النَّاس وسبر أفكارهم؛ أن هنالك حركة خفيفة، وشعورًا مُنْبَثًّا في جَسَدِ الهيئة الإسلامية، يُنادي باسم الخلافة، ويمثل مقدار تيقظ أفرادها لما حصل من الإهمال والتفريط فيما سلف، ويُوذِنُ بإمكان تكوين (الجامعة) المتوهمة لأوروبا، غير أننا نرى أنَّ هذا الشعور كان لعلَّةٍ حادثةٍ؛ هي ذلك الضَّاغط الأوروبي عليهم، وإنَّ وراء إمكان تكوين الجامعة و[استمرارها]([4]) من الصعوبات والعقبات ما لا يمكن أن يذلله البشر أو يكون في طوق إنسان إلا أن يخلق الله لذلك ما لا نعلم ومن لا نعلم؛ فهو الفعَّال لما يريد وله خرق العوائد على يد من يشاء من عباده.
ذلك لأنَّ المسلمين الآن فضلًا عن كثرة شعوبهم وقبائلهم واختلاف مشاربهم ومنافعهم بالنسبة لمواقع بلادهم؛ ساد [فيهم]([5]) أمران عظيمان هما أساسُ كلِّ افتراق، و[منبع]([6]) كل شقاق بينهم.
(1) تأسست فيهم إماراتٌ، وظهرت فيهم ملوك؛ ذاقوا من منذ عهد بعيد حلاوة الاستقلال، ولذة بذخ الملك، وألفوا التفرد بالحكم والتباهي باللقب.
(2) نشأت فيهم مذاهب، وفشت فيهم فرقٌ وطرق وطوائف بُنِيَ أساسها المتين على مبادئ التفرق، وأساطين الاختلاف والتباين، وصار (كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ) (المؤمنون:53) ، يدَّعي أنَّه على حق لا يخطئ به نهج الجنة، وأنَّ غيره على باطل لا يريح رائحتها (عند الأكثرين).
فهل في الإمكان مع هذين الأمرين أن يتنازل الأمير أو الملك المستقل منهم بمكانه وبمذهبه عن ملكه لغيره ممن لا قرابة ولا علاقة ولا مودة بينهما، بل لا معرفة إلا بالسماع، فيحرم نفسه نعيم ذلك العز الشامخ، والملك الباذخ في نظره، ويصم أذنيه عن سماع رنَّةِ ذلك اللفظ الجليل واللقب العظيم (الملك أو الأمير).
ويفرِّقَ أولئك الحشم والأتباع، ويسلِّمَ خزائن الأموال ومقاليد الجيوش الذين إذا اصطفُّوا أمامه لحظةً من الزَّمَنِ بأسلحتهم اللامعة وصدورهم المشرقة؛ رأى أنَّ الأرض حذاءه، وأن السماء تاجه، وأن لا حول ولا قوة ولا ملك إلا له.
وهل في الإمكان على فرض مساعدته على التسليم، ونبذه تلك الزخارف وراءه ظهريًّا؛ أن تساعده رعيته أبناء وطنه وعلماؤه الذين لا محيص له عن استفتائهم على ذلك، وخصوصًا إذا كان مذهبهم يخالف مذهب الذي قدرنا التسليم له، اللهم إن هذا مما لا طمع فيه، ولا تأباه التجربة.
الدين كدولة من الدول إن حَكَمَها كلها قانونٌ واحدٌ، وجرى في محاكمها العمل به حسب منطوقه بدون حيفٍ؛ سَعِدت أمتها، وزال الظلم منها، واستراحت أفرادها في ظل الأمن باستواء الضعيف والقوي في نيل الحقوق.
وإن دخلتها الامتيازات، وصار لكل دولةٍ أجنبيةٍ امتيازٌ وقنصلية يحاكم المنتسب إليها أمامها؛ كانت الدولة المحلية مع قانونها؛ مهبط الذل، واهية القوى، ضعيفة النفوذ، وكان الشقاق بين سكانها في تزايد بتعاظم المحتمين بصولة الامتياز على غيرهم، وهنالك لا تسأل عمَّا يقاسيه أقوام من الإهانة، وما يناله آخرون من إضاعة الحقوق، ولا ينفعهم البكاء والعويل.
فالمذاهب والفرق في الدين نسبتها كنسبةِ الامتيازات للدول؛ فما قيل هناك يقال هنا، فهي جديرة بأن تسمَّى بالامتيازات الدينية، والمتفق منها المتحاب؛ حقيقٌ بأن يعرف بالتحالف الديني.
فما داما موجودين في العنصر الإسلامي؛ فالدليل واضحٌ على عدم إمكان (الجامعة) أو دوامها تلك الضالة المنشودة التي هي أعز من الكبريت الأحمر ورابعة المستحيلات الآن.
من تصفح التاريخ بإمعانٍ ظهر له جليًّا أن معنى (الجامعة) ما تحقق في الوجود واستمر أمدًا يعتدُّ به منذ غاب ثاني الخليفين؛ عمر الفاروق -رضي الله عنه- عن الأشباح.
مضى نحو (12) قرنًا وكاهل الدِّين الحنيف مُثْقَلٌ بأعباءِ حمل هذا الشقاق الناشئ عن الاختلاف الاعتقادي بتعضيد أفرادٍ؛ هَمُّ غالبهم ظهور أسمائهم واشتهارهم بانتشار ذكرهم، فانتحلوا أقوالًا عرفوا بها جَرْيًا على سنن قولهم في المثل: «خالف تُعْرَف»، فأتبعوا فيها. وكلما ظهر جيلٌ بعدهم زاد الطين بَلَّةً، فأحدث لما لا مستند له من أقوال سلفه دليلًا، وقوَّى ما كان منه واهيًا، وتكلَّفَ لذلك، وتساهل فوقَ مجهودِهِ رغمًا عمَّا يراه لمقابله من الحُجَّةِ القاطعة والبرهانِ الجَليّ، فتشعَّبَ الخلاف واتسع الخرق على الراقع.
أقلِّبُ المجلَّدَاتِ من أخبار الأولين لأشرح خاطرًا بمجدٍ تقدَّمَ، وعزًّا للإسلام المحض مضى، ووآمًا لرجال سبقونا في الوجود وخلَّفوا أثرًا نقتبس من نوره ويفتخر به الدين، ولأقف على زمن يصدق عليه أنَّه زمن العمل وربيع الدِّين حتى أقارن بين أولئك وذاك، وبيننا مع زماننا، فلا أرى بعد زمن الفاروق من ذلك إلا شيئًا نَزْرًا لا يُذْكَرُ في جانب ما أراه من هرج ومرج، وتفاقم خطب، وأهوال تخجل القارئ، وتبهت السامع، وكلها بين من أقرُّوا بالإسلام.
أرى لمعان السيوف تحت غبار الفتن؛ كالبرق الخاطف، وأسمع قرقعة السلاح ورنين النَّبْلِ كالرَّعْدِ القاصف، وأحس بزفرات أبطال المتبارزين من الموحدين في معامع القتال، وأشمُّ بخار سُمِّ المتباحثين في الدِّين بأشد عبارات الجدال، وأشنع جمل المقال، وأتذكر أزمنة كأنما خلقت مظهرًا لمعاكسات الدين، و[مسرحًا]([7]) تمثل فيه إهابة الحق المبين.
وكل ذلك عند التحقيق ناشئ عن هذه الامتيازات و[التخالف]([8])، ومن قال: «العجب من فتنةٍ لم يكن سببها النِّساءُ»؛ كان الأجدر به أن يقول ويزيد أيضًا: «العجب من حربٍ لم يكن سببها التَّخالُفُ في الدِّين».
يرى بعضهم هذا الخلاف يصدق على الدوام حديث: «ستفترق أمَّتي … إلخ»، وأن السعي وراء توحيد المذاهب وإلغائها؛ سعيٌ في تكذيب الحديث، وهو اغترارٌ لا محلَّ له؛ فإنَّ الحديث يصدق بمجرد وجود الخلاف ولو لحظة واحدة، وها هو قد بقي أحقابًا متوالية؛ فهل في استمراره من فائدةٍ الآن؟!
يوجد الآن من الفرق الإسلامية المتباغضة أشد بغضٍ عدد وافر، منها: الأشعرية بمذاهبها الأربعة، والمعتزلة، والإباضية، والصفرية، والأزارقة، والشِّيعة، والزيدية، والرَّافضة، والوَهَّابية، وغيرها.
وللكل علماء أعلام، وكتب معتبرة مشحونةٌ بالطَّعْنِ بأبشعِ عبارة، هذا يُضلل ذاك ويلعنه، وذلك يُكفِّرُ هذا، والآخر يفسِّقُ الكل، وهؤلاء يحلِّلُون دماء أولئك، وأولئك يزيدون حل الأموال والفروج والسبي و…، والمصيبُ بالضرورة واحدٌ منهم لا غير؛ لأنَّ الحَقَّ لا يتعدد.
فلو أرسلت كل فرقة من هذه الفرق وفدًا من علمائها إلى اليابان للدعوة إلى الإسلام، ومال الامبراطور «الميكادو» بفطرته إلى قبول الإسلام، وطلب منهم بيان تعاليمه ومبادِيه، ورأى منهم بعض اختلاف ولا محيص عنه في أول كلمة ينطق بها واحدٌ منهم عند بيان أول الواجبات على العاقل البالغ؛ هل هو القصد إلى النظر أو النظر أو المعرفة، فماذا يقول الميكادو في الإسلام يا ترى؟ ثم إذا علم بوجود المذاهب، وطلب بيان أصَحِّها بالاتفاق ليَتَّبِعَهُ؛ فماذا يكون الجواب؟ وهل يمكن الاتفاق؟ وهل يُقْبَلُ منهم التمويه بأنها تغترف من بحرٍ واحدٍ وكلها سواءٌ؟! (على فرض اتفاقهم على هذه الكلمة)! كلا ثم كلا؛ لأنَّه بصدد البحث عن أقوم طريقٍ ليَتَّبِعَهُ، ولم يتعبد بالتقليد حتى يقنع بهذا.
ولا ندري ماذا يقع إذا سأل من كل فريق منهم الحكم في مخالفه على مقتضى قواعد مذهبه، وأجابوه كلهم وهم متقابلون بما لا محيد عنه من التفسيق والتضليل والتكفير و….
ومن نظر بإنصافٍ إلى أحوال أمراء جزيرة العرب و[اليمن]([9]) والعجم، وما يجري بينهم وبين دولتنا العليَّة من المشاكل في الحال الحاضر؛ صَدَّقَ بما سردناه.
فأساس التفرق في المسلمين تعدُّدُ المذاهب، واختلافهم بهذه الدرجة نقمة على الدين لا رحمة كما يقال، ولا يمكننا -والحالة هذه- الاستشهادُ بقوله -عليه السلام-: «المؤمنون كالبُنْيَان … إلخ»؛ لأنَّه لا يصدق علينا البَتَّة، والذي يصدق علينا إن تركنا التعمية؛ هو قوله تعالى: (تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ) (الحَشۡر: 14)
فكيف تكون (الجامعة) مع هذا؟ وكيف يمكن الاتحادُ؟ فلتُرِح أوروبا نفسها من هذا الشغل الشاغل، ولْتُطْلِق العنان لرعياها المسلمين في حرية القول والعمل كغيرهم، ولتعاملهم بالرِّفْقِ واللين مع المحافظة على شعائرهم المحترمة حتى يحمدوا سيرتها فلا ينالها منهم مكروه، ولن يتفقوا ما دام هذا الداء، وإن وراء شفائه لخَرْطُ القَتَاد، وسنأتي -إن شاء الله- في المستقبل بعلاج هذا، وعلى الله الشِّفاء.
سليمان باشا الباروني
([1]) صحيفة الأسد الإسلامي، العدد (1)، 3 رجب 1325هـ/ 12 أغسطس 1907م.
([2]) في الأصل: “في لأيام الأخير”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: انظر: زعيمة بنت سليمان البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد؛ للمجاهد الليبي سليمان الباروني، (1964م، مطابع الاستقلال الكبرى-القاهرة)، (ص22).
([3]) الضَّغْتُ: اللَّوْكُ بالأنيابِ والنَّواجذ، وفي كتاب صفحات خالدة: “بالضَّغْط” وقد تكون هي المقصودة لقوله بعدها: “الضاغط الأوروبي”. انظر: محمد بن مكرم بن علي الأنصاري، لسان العرب، (ط3، 1414هـ، دار صادر-بيروت)، (2/58)، و: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص22).
([4]) في الأصل: “واستمراها”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص23).
([5]) في الأصل: “ساد فهم”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص23).
([6]) في الأصل: “منبعت”، وفي كتاب صفحات خالدة: “مبعث”. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص23).
([7]) في الأصل: “مرسحا”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص25).
([8]) في الأصل: “والتحالف”، ولعلَّ الأقربَ ضبطها بالإعجام.
([9]) في الأصل: “اليمين”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد، مرجع سابق، (ص26).
Loading Viewer…



