Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
من صحائف الروّاد

المقال السادس من سلسلة مقالات أبي إسحاق: ولاية الإمام المهنا بن جيفر في عمان

تحرير: المقداد بن خليل الكندي

هو من بني اليحمد، بويع يوم مات الإمام عبد الملك بن حميد، وهو يوم الجمعة لثلاث خلت من رجب سنة ست وعشرين ومئتين [226هـ]، وشيخ الإسلام يومئذ العلامة الأكبر موسى بن علي، وهو رئيس العلماء أهل الحل والعقد، ولما بويع رضي الله عنه شمّر عن ساق الجد، وصرف قواه إلى الإصلاح العام الداخلي والخارجي، وكان ذا حزم وحسن تدبير وقوة دهاء وسياسة متينة وعدل وعلم واسع وذكاء نادر.

اختارَ ولاته من الجهابذة ذوي الرسوخ في الدين والشهرة بالثقة والصدق والأمانة، ومن حزمه وخبرته بسياسة الملك؛ أن انصرف إلى تشييد الأسطول البحري وتنظيم الجيش، فأعدّ من القوات البحرية ما يأمن غوائل البحر، ويضمن حماية السواحل العمانية الشاسعة، فاجتمع لديه من القطع البحرية ثلاثمئة، ومن الجيش بعاصمة الملك عشرة آلاف مقاتل، ومن الجيش الخاص به سبعمئة نجيبة([1])، وستمئة فارس. وذكر العلامة الصبحي من مؤرخي عمان؛ أنه كان عند الإمام نحو تسعة آلاف أو ثمانية آلاف مطية، الظاهر أنها لبيت المال.

ظهر لعمان في ولاية هذا الإمام من عظيم الشأن وجلالة الملك ما صيرها من أفخم الممالك إذ ذاك، فقويَ عمران عمان، وكثر الوافدون إليها يستظلون بالعدل، ويسكنون إلى الأمن والحرية التامة، فبلغ العمران إلى أن عد في (سعال) -وهي إحدى ضواحي العاصمة نزوى- أربعة عشر ألف نسمة.

خذ لك شاهدًا على حزم هذا الإمام واستعداده لكل طارئ ما كان سببًا لضمِّ (مهرة) بعدَ أن كانت شبه مستعمرة يكتفي الأئمة قبله منها بدفع الزكاة والحماية من كل معتدٍ؛ هيَ أن عامل الإمام الذي يجبي الزكاة وهو عبد الله بن سليمان من بني ضبة من أهل (منح)، دخل بلاد مهرة مصدقًا، فطلب فريضتين لزمتا رجلًا من رؤسائهم على ما يظهر اسمُهُ وسيم بن جعفر، فامتنع من أداء غير فريضة واحدة مع تهديد العامل وخطابه بما يُعدُّ منه تهاونًا بالأمانة وخلعًا للطاعة.

فما كان منه إلا أن أنفذ إلى الإمام بالأمر، ثم قدمَ العامل بعد ذلك فأخبر الإمام وقد أعدَّ الكتائب، فأنفذ الإمام إلى ولاته في البلاد بين العاصمة ومهرة: «إذا ظفرتم بوسيم بن جعفر المهري فاستوثقوا منه»، فكتب إليه والي (أدم)([2])؛ أني قد استوثقت منه وقبضتُ عليه، فوجّه إليه أحدَ قُوّاده أبا المقارش يحيى اليحمدي في كتيبةٍ من الفرسان، فلقيه بـ(المنائف) قادمًا إلى الإمام بالثائر، ثم لما بلغوا إلى (عز) بلغتهم كتيبة أخرى، ولما بلغوا قرية تعرف (بمنح) لقيتهم أخرى، وهكذا لم تزل تتلقى المقبوض عليه الكتائب من مكان إلى مكان حتى بلغ (نزوى)، فأمر الإمام بسجنه، فمكث سنة لا يقدر أحدٌ أن يكلم الإمام في أمره، حتى جاء جمع من وجوه مهرة، فاستعانوا بوجوه من رهط الإمام، فطلبوا إطلاقه، فشرط عليهم ثلاثة شروط: إما الارتحال من عمان، وإما الحرب، وإما أداء الزكاة كلَّ حول، وإحضارها إلى نزوى بشهادة شهود معدّلين من (أدم).

فقالوا: «الارتحال لا يمكننا، وأما الحرب فلا نحارب الإمام»، فقَبِلُوا الشرط الأخير، وكانوا يؤدون الزكاةَ كلَّ سنة، وأذعنوا لنفوذ الإمامِ تجري عليهم أحكامُهُ، ففي هذه الواقعة من الحزم والتسامح والوقوف عند حدود العدل ما لا يخفى على الأريب.

وفي عهده ثار بنو الجلندى ورأسهم المغيرة بن روشن الجلنداني، وهذه الفئة منذ وفاة الجلندى بن مسعود الذي سبق لنا ذكره -وهو من الأئمة العدول- كانت مثار الفتنة والإفساد، وشايعهم المشاغبون ضعفاء الإيمان، وأسراء الأطماع، الذين كثيرًا ما يظهرون للتعكير في الأجواء الصافية وفي فضاء الحرية والعدل، وهي حالات لا تصلح لهم وإنما تلتذ نفوسهم في الاضطراب والشغب والخيانة، وتتحقق أطماعهم الفاسدة عند اختلال الأمر، فمثل هذه الفتنة الخاسرة التي تكون سببًا لنزول البلايا على الأمة وربحًا وافرًا للعدو؛ يجب أن يُنَكَّل بها، بل يُقطع أثرها وتُعفى معالمها، ولا غرو؛ فإنَّ الله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ …﴾ الآية [المائدة: 33].

فجهز إليهم الإمام جيشًا أخذهم من كلِّ مكان، ولم يجدوا منفذًا للنجاة بعد أن دخلوا (توام)، وقتلوا أبا الوضاح والي الإمام بها، فكانت هذه الشنعة الأولى منهم والأخرى، وقواد جيش الإمام المرسل لقمع هذه الثورة التي كادت تستفحل لولا حزمه وحسن استعداده هم ثلاثة: أبو مراون والي صحار، والصقر بن عزان أحد أمراء الجيش، والمطار الهندي أمير الفرقة الهندية في جيش الإمام، وعدد الجيش كله اثني عشر ألفًا.

ومما يؤسف له أن الجيش الهندي وبعض الغوغاء من غيرهم أشعلوا النيران في دور الثائرين، فالتهمت ما فيها من أموال وحيوان، فكان الجنديُّ ينغمس في الفلج فيقتحم النار لفكِّ الحيوان، فنجا منها ما شاء الله، فأرسل الإمام تعويضَ المتلفات إلى أصحابها، وأنصفَ أرباب الحقوق بعد إذعان ما بقي من الثائرين.

وفي عهدِهِ ظهرت محنةُ خلق القرآن فذكاها ضعفاءُ الدّين وبسطاء العلم، شُبهةً ألقاها أبو شاكر الصيداني؛ الدخيلُ الذي تظاهر بالإسلام لإفسادِ الإسلام، وكادت تعمُّ بليّتها عمان، لولا مبادرة الأئمة الأعلام إلى إطفائها، فكانت بردًا وسلامًا على الأمة ولم يحصل شيء غير الأخذ والرد في القول، فقد اجتمع أقطاب العلم في (دماء)، منهم أبو زياد، وسعيد بن محزر، ومحمد بن هاشم، ومحمد بن محبوب؛ أحد الأئمة المجتهدين في ذلك العصر، وحامل لواء الدين، وقرروا الكفَّ عن المسألة بالمرة بعد تقريرِ الحقِّ فيها، وطلبوا من الإمام أن يشد على كل خائض فيها، فقطع الله جهيزة كل متكلم، ولقد أحسنوا إذ حسموا الخلاف بين الأمة، وبقي الأمر بين أهله من رجال العلم.

وبالجملة؛ إن هذا الإمام كان مثال الأئمة العدول والملوك العظام، حزمًا وسياسةً، عمّ نفوذه كل الأقطار المجاورة لعمان إلى وراء حضرموت، والظاهر أن اليمن كان تابعًا له.

وذكر أبو الحواري رحمه الله من مؤرخي عمان؛ أن الإمام المهنا كان غير مرضيّ السيرةِ عندَ الإمامين محمد بن محبوب، وبشير بن المنذر، ولم يتابعا على رأيهما، ولم يظهرا انتقادًا عليه في حياته، وأرى هذا غير صحيح؛ إذ روي أنَّ أحد العلماء ذكر الإمام بسوءٍ فانتهرَهُ الإمام ابن محبوب، وهذا يدل على رضائه عنه، نعم؛ كان الإمام شديدَ الوطأةِ على كل ما يبدو منه أقل سوء نحو الإمامة، لا فرق بين عالم ورئيس، مع ما لَهُ من الهيبة العظيمة وقوة الإرادة.

ولم ينقم عليه أحدٌ من أهل الشأن، وولاتُهُ ممن يشار إليهم في الأمة بالبنان علمًا وحكمةً وعملًا، من بينهم العلامة محمد بن علي قاضيه، وأبو مراون واليه على صحار، وزياد بن الوضاح، وخالد بن محمد، والصقر بن عزان أمير الجيش، والمنذر بن عبد العزيز من ولاته، وكلهم من فحول الرجال، وكبار المسلمين وعلمائهم.

وليس بشيءٍ ما ذكره بعض الكاتبين من استبداد الإمام المهنا، ووجودِ أحداث في عهده؛ إذ لو صحَّ ذلك لأظهر أولئك الأئمة الرابضون له، ولأمثاله البراءة منه بدون خوف من بطشه واستبدادِهِ وقوة سلطانه، ولا أراهُ إلا إشاعةً أذاعها بعض الناس بعد موته، ولا يبعد أن تكون ممن ناله بطشه بسوء عمله.

مات يوم الجمعة لست عشرة خلت من ربيع الثاني سنة سبعٍ وثلاثين ومئتين [237هـ] رحمه الله ورضي عنه وجازاه بالروح والريحان والرضوان، فولايته عشر سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا.

لتنزيل المقال اضغط هنا


([1]) خيار الإبل. (م)

([2]) الظاهر أنها متاخمة لمهرة مما يلي عمان.

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى