من صحائف الروّاد

مقالات الشيخ سليمان باشا الباروني في صحِيفَةِ «الأسد الإسلامي»: المقال الأول (افتتاحية الصحيفة)

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

بسم الله الرحمن الرحيم

مُقَدِّمة المُحرِر

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِ المرسلين، محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمَّا بعد:

فاستكمالًا لمشروع إخراجِ مقالاتِ رُوَّاد الصَّحافةِ في القرن الهجريِّ المنصرم؛ أقدِّمُ إلى القرَّاءِ الكرام سلسلةً لمقالاتِ الشَّيخ المُجَاهد سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني (1287-1359هـ) في صحيفَتِهِ «الأسد الإسلامي».

وقد أصْدَرَ الشيخ الباروني هذه الصحيفة إبَّان إقامته في مصر في ثلاثةِ أعداد ثم توقَّفَت، صَدَر العدد الأوَّل منها في مصر (3 رجب 1325هـ/ 12 أغسطس 1907م)([1])، والثاني في مصر (13 ربيع الأول 1326هـ/ 14 أبريل 1908م)، والثالث في مصر (22 ربيع الأول 1326هـ/ 23 أبريل 1908م).

واعتمدتُ في استخراجِ المقالات وتحريرها على نسخةٍ أصليَّةٍ من الصحيفة للعددين؛ الأول والثاني، ولم أظفر بالعدد الثالث إلا في كتاب «صفحاتٌ خالدة من الجهاد؛ للمجاهد الليبي سليمان الباروني» التي نشرته ابنته زعيمة بنت سليمان البارونيِّة عام  [1384هـ]/ 1964م، وقَدَّمَ له الشيخ أبو إسحاق([2])، واستعنت بكتابها كذلك في تحرير مقالاتِ العددين الأول والثاني في السَّاقطِ من الأصل والمبهم.

وأنبِّهُ القارئ الكريم؛ إلى أنِّي راعيْتُ التفقيرَ بحسب ما وجدتُ في النسخة الأصليَّة، وأبقيتُ الأقواسَ كما رسمها المؤلِّف في مقالاته، وعَرَّفتُ ما أمكنني تعريفه في الحواشي.

ختامًا؛ أزجي أجزل الشُّكرِ لمن أعانني في التحرير من المشايخ والخلَّان، والقائمين على هذه المنصة المباركة.

والله أسأله القَبُولَ والسَّداد، والتوفيق والإعانة؛ إنَّه سميعٌ عليمٌ مُجيبُ الدُّعاء.

المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

ليلة 21 من ذي الحجة 1447هـ، مركز ذاكرة عمان – السيب

-1-

[افتتاحية الصحيفة]([3])

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وصلى الله على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وسلم

بحمدك اللهم يزأر الأسد، ويستوهب المدد، ليتوحد العدد، فيعمر البلد، ويقدِّسك بزفرات تدهش الكَنُود، وتبكت اللدود، وترتعد منها فرائص الشقيِّ، وينتعش بها روح الوليِّ، ويُهَلِّلُك رافعًا (للواء) الاستقامة، (مؤيِّدًا) لدعائم السلامة، (مرشدًا) إلى (منبر) (المعارف) الكافية، (منيرًا) (بنبراسه) (الحاضرة) والبادية.

والصلاة والسلام على منقذ الأمَّةِ من بين ظفر الشرك وناب الجهل، مغيث العباد عند اشتداد المَحْلِ، الذي اصطفيته فانصدع لظهور كوكبه السَّاطع إيوانُ كِسْرَى، وخمدت نار فارس؛ فأشادَ الدِّين القويم، وهدَّدَ الرُّكْنَ السَّقيم، وزلزل الملك العظيم؛ سيِّدنا محمَّد الذي أنزلت عليه:

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} [البلد:4-12]

صلى الله عليه وعلى آله؛ أسود الوغى، وفرسان الهَيْجَا، الذين مَهَّدوا بأسِنَّتِهِم البلاد، وحصدوا بسيوفهم بذر الفساد، وأخضعوا بحسن سياستهم العباد، وبلغوا بعدلهم المراد، ولم يكن ثمَّةَ مدفع كروب([4])، ولا موزر([5]) مصبوب.

أمَّا بعد:

فقد كان الإرشادُ في زَمن انقياد أفراد الأُمَّةِ بطبيعتها وبسيطرة [الحق]([6]) لقوانين الشرع الشريف، ووقوفهم عند حدِّ مناهيه؛ منوطًا برجال التقوى الذين لهم القدح المُعَلَّى في التفنن في أساليب الذكرى مع صفو النية، وحسن الطَّوِيَّةِ، يُلْقُون المواعظ النَّافعة في نوادي مخصوصة، ومساجد معلومة، ويطوف بعضهم القرى والبوادي لينبِّه الغافل، ويرشد الجاهل؛ احتسابًا لله تعالى، وقيامًا بالواجب.

ولإخلاص هؤلاء العمل لله، وانقياد أولئك؛ كانت النتيجة خيرًا، والقول مؤثِّرًا، ثم لما دارت الأحوال بدوران الدَّهْر، وتغيَّرت الطبائع باختلاطِ أصناف البشر؛ وقع التساهل في أمر الدِّين، وانحلَّتْ عُرَى الاتحاد، وساد الشِّقاق، وفشا الاستبداد.

ولكن أبت حكمة مُبْدعِ الكون ومُدَبّره إلا أن يكون الإرشاد حَيًّا متواصلًا مُسْتَمِرًّا؛ ترويجًا لحركة العمران، وحِفْظًا لكيان هذا الدِّين القويم؛ بمسلك غير المسلك الأول، مطابق للزمن وأحوال الأمم؛ إذ هو الحكيم، الخالقُ للحكمة، الذي يضع الأشياء في مواضعها.

فسخَّرَ لهذا العالم الجديد في طبعه عالمًا جديدًا من نفسه؛ يُرْشِدُهُ ويهذِّبه ويهديه، وهو عالمُ الصَّحافة، فكان في أول نشأته غير منظورٍ إليه بعين الإجلال والاحترام؛ استخفافًا بمهنتِهِ، وجهلًا بنتيجتِهِ؛ شأن كل حديثٍ لم يعلم ما وراء وجوده من الحوادث.

ثم مع استمرار الحال، وظهور النَّفع شيئًا فشيئًا، تنبَّهَ العقلاء إلى أنَّه هو المرشد للأمم، المنبِّهُ للهمم، الرافع من هوَّةِ الجمود والخمول إلى ذروة التيَقُّظِ والظهور، حتى صار مدارًا في الأعمال، وعليه المُعَوَّل في الأقوال، لسان الأمر والنهي؛ اللَّذَيْنِ هما مركز إجراء الأمور على محور الاستقامة ومنهج الصَّواب، والسبب الأقوى في الترقِّي إلى مدارج التوفيق العلميِّ والعمليِّ؛ إذ يمكن للواحد أن يلقي أفكارَهُ ويعرض آراءَهُ وهو في أقصى الشرق على أقوامٍ لا يعرفهم، ولا يمكنه الاجتماعُ بهم وهم في أقصى الغرب، فيأتمرون لصائب أمره، وينتهون لنهيه، وذلك بفضل جريدةٍ ينشُرُها، فيقوم كلُّ عددٍ منها مقامَ مئاتٍ وآلافٍ من المرشدين، يؤثِّرُ أضعاف ما يؤثِّرُهُ لو خاطبهم بلسانه، ولذا أحلَّتِ الدُّوَل مسلك الصحافة محلَّ الاعتبار، وجعلتها دليلها الخبير في أعمالها، ومنحتها الحريِّة، وأوسعت لها المجال في الرَّدِّ والانتقاد.

لذلك رأيت أن لا أحرم من المشاركة في فضل هذا المسلك العظيم الفائدة، الموصل إلى الغاية المطلوبة من قول سيِّد البشر -عليه السلام-: «الدِّينُ النَّصيحة»([7])، فاستخرت الله تعالى، وسألته الإعانة على إنشاء «الأَسَدِ الإسلامي»، وإصداره أسبوعيًّا مؤقَّتًا في مصر، كذلك وإن هَيَّأتُ له مطبعة من أحسن صنفٍ تامَّة الاستعدادِ، ومَحَلًّا معتبرًا يليقُ بإدارته حتى أرتاد له دار إقامة تناسب مشربَهُ؛ فيصير فيها يوميًّا -إن شاء الله-، ولا أراها إلا مصر؛ دار النهضة، دار الحرية، دار العلم والأدب، دار التَّسَامح واليسر، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [سورة الطلاق: 1]

كأنِّي أرى القارئ استعظَمَ عنوان «الأَسَدِ الإسلامي» وارتعد منه، فظنَّ أنه ما ظهر في عالم الوجودِ إلا ليُهَدِّدَ المسيحية، وينادي بالحرب، ويدعو للقيام ضدَّ أوروبا ومناصبتها، ويختلق المشكلات هكذا بدون داعٍ ولا سببٍ قويٍّ، ولكن الأمر بخلاف ذلك.

فإنَّ خُطَّتَهُ خُطَّة سكونٍ واعتدال كغيره من الجرائد المسالمة -وإن خالف ذلك ما يتبادَرُ مما يرمي إليه ظاهر عبارة العنوان- يبذل النُّصْحَ لأمَّةِ الإسلام، ويدلها على ما يعود عليها بالنَّفْعِ العاجل والآجل، والتقدُّم في مجاراة الأمم الحَيَّةِ، ومزاحمتها في معترك الحياة الهنيئة.

ينبِّهُ أوروبا إلى ما يراه صالحًا ضامنًا للسِّلْم والاطمئنان، لائقًا بها مما يختص بمعاملة أهل الإسلام إن قبلت المراشد.

لا يألو جُهدًا في الدِّفاعِ عن الإسلام وحقوقه أينما كان وحيث كان.

لا يتقيَّدُ بقُطْر دون آخر على حسب ما يقتضيه عنوانه.

لا يتعرَّضُ للشخصيات إلا فيما يكون عائدًا إلى العموم.

يوجِّهُ العناية التَّامَّةَ إلى البحث عن كلِّ ما يراه مصلحًا لشؤون الدولة الإسلامية العُظْمَى في الولايات، وعلى الخصوص (الولاية الطرابلسية)؛ أداءً لحقِّ الوطن، إذ كانت أميَّةً منحطَّةً عن جارتَيْها مصر وتونس في المعارف والعمران، خاليةً من غالب دواعي التقدُّم من مخترعات هذا العصر الجديد، عصر الحركة والعجائب.

(نعم)؛ سيأتي -إن شاء الله ولا ريب- إن كان في العمر مجال وقتٍ على «الأَسَدِ الإسلامي» يتجلَّى فيه بمظهره الحِسِّي على منصة منبر؛ شاهرًا حُسَامه، ناشرًا لواءَهُ، رافعًا رايته، فاغرًا فاهُ، وذلك {إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} [الفجر:21-30 ] ([8]).

فيتراءى للملأ جهارًا، ويتحقق معناه بأجلى بيانٍ، وهنالك تكون له في ميادين القول جولاتٌ، وفي وقائع النِّضالِ زفراتٌ ومصادماتٌ، تطبق الآفاق، وتزعزع النفاق، وتنسخ آيات اللبس والتمويه، وتدمدم على هام كلِّ أفَّاكٍ كريه، {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)}.[الحج:1-2 ].

(هذا)، وبلسان البشرى وكف الاتحاد، أُحَيِّي مصافحًا زملائي رجال الصَّحَافة الكرام المصلحين، والقرَّاءَ الأفاضل، مُهَنِّئًا نفسي بالدُّخولِ في معمعان هذا الموضوع الجليل العظيم الخطر، مؤمِّلًا منه تعالى التوفيق إلى حسن عملَيْ؛ الدِّين والدُّنيا.

راجيًا من إخواني الأدباء، وأرباب التحرير؛ الإمداد بما لديهم مما أتاهم الله من فضله مما يوافق مشرب «الأَسَدِ الإسلامي» الآن؛ خدمةً للجامعة والإنسانيَّة والدِّين، ولهم من أهل الكمال مزيد الشُّكْرِ، ومن الله الثواب.

{وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ}[هود:88] 

سليمان الباروني

Loading Viewer…

([1]) في آخر العدد الأوَّل قال الشيخ الباروني: «استلفات: طرأ ما لا يسعنا التأخر معه عن السفر إلى الغرب على أثر هذا العدد، وسيكون على طريق أوروبا فالجزائر فتونس فطرابلس، فمكاتبتنا في هذه السياحة تكون بهذا العنوان: الجزائر. سليمان الباروني النفوسي. ومتى عُدْنَا إن شاء الله استمرَّ (الأسدُ) في سَيْرِهِ. والسلام»؛ وهذا سَبَبُ تأخُّر العدد الثاني قرابة تسعة أشهر.

([2]) انظر: زعيمة بنت سليمان البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد؛ للمجاهد الليبي سليمان الباروني، (د.ط، 1964م، مطابع الاستقلال الكبرى-القاهرة)، (ص10-57).

([3]) صحيفة الأسد الإسلامي، العدد (1)، 3 رجب 1325هـ/ 12 أغسطس 1907م.

([4]) من أنواع المدافع.     

([5]) مِيزر، أو مَوْزَر: بندقٌ من السِّلاح القديم، له أنواع. انظر: سعد بن عبد الله الجنيدل، معجم التراث؛ السلاح، (د.ط، 1417هـ، دارة الملك عبد العزيز-الرياض)، (ص236).    

([6]) في الأصل: “لحق”، وضبطتها من كتاب صفحات خالدة. انظر: زعيمة بنت سليمان البارونيِّة، صفحاتٌ خالدة من الجهاد؛ للمجاهد الليبي سليمان الباروني، (د.ط، 1964م، مطابع الاستقلال الكبرى-القاهرة)، (ص10).

([7]) أخرجه جماعة. انظر -مثلًا-: مسلم بن الحَجَّاج القُشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (د. ط، 1374هـ/ 1955م، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه – القاهرة)، (1/47)، رقم الحديث: (55).  

([8]) في الأصل: رسمَ نقاطًا في قوله تعالى: {يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ … وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ}

يسعدنا تقييمك لهذا المقال

تقييم المستخدمون: 4.7 ( 1 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى