حياة العلم .. كيف تدير المسائل في الحلقات العلمية ؟

عبد الله بن سليمان بن عبد الله المسروري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، وجعل السؤال مفتاحًا للعلم، والجواب ثمرةً للفهم، والصلاة والسلام على نبينا الخاتم ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد..
إنّ الحلقات العلمية لها أهميتها البالغة في حياة طلاب العلم، فهي ليست مجالس تلقينٍ مجرد، وإنّما مدارس تنمي العقول والألباب، ففيها يتذاكرون العلم ويتحاورون ويتدارسون، يعرض بعضهم على بعض ما أشكل عليه، وما استفاده كلٌ منهم ليثبِّتوا المعلومات في أنفسهم ويفيدوا غيرهم ممن لم يعرفوا، لأن العلم إذا لم يُراجع ذبل وبقي حبيس الكتاب، وإذا لم يُناقش ضعفت ملكته في أذهان الطلاب، يقول الله -سبحانه-: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٧]، وكان نبينا ﷺ خيرَ قدوةٍ للناس تعليمًا بالحوار والسؤال، فكان يقول لأصحابه في أحاديث متعددة من حلقات المجالس: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟…»[1]، و«أتدرون ما الغيبة؟…»[2]، فيوقظ بالسؤال انتباههم، ثم يرسخ الجواب في قلوبهم، وروي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّه قال: «كنّا نكون عند النبي ﷺ فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه»[3]، وجاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- قوله: «إذا سمعتم مني حديثًا فتذاكروه بينكم»[4]، وروي عن أم الدرداء -رضي الله عنها- قولها: «لقد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئًا أشفى لنفسي من مذاكرة العلم..».[5]
ويقول الإمام أفلح بن عبد الوهاب[6] في قصيدته الشهيرة بالرستمية:
واجعل لنفسك حظًا من مذاكرةٍ مع الصديق إذا استوحشت أسمارًا
ومن هنا فإنّ طرح المسائل في مختلف الحلقات في مجلس العلم أو وقت الطعام أداة تربوية، تُعلّم الطلاب الاستفادة من أوقاتهم وتدربهم على المناقشة العلمية، يقول الشاعر:
مَن حاز العلم وذَاكَرَه صَلُحت دنياه وآخرته
فأدم للعلــــــم مذاكرةً فحياة العلــــم مذاكرته
فمدارسة العلم من أهم أسباب رسوخه؛ إذ لا يقتصر نفعها على تلقي المعرفة، بل يتعداه إلى تصحيح الفهم، وإزالة الإشكال، واستدراك السهو، وربما استفاد الإنسان من مناقشة من هو دونه سنًّا أو علمًا، كما ينتفع بمذاكرة أقرانه، والجلوس إلى من هو أعلمُ منه؛ فإنّ الحكمة قد تظهر على لسان أيٍّ من المتدارسين إذا صدقت النية وحسن البحث، فالمعلم الناجح لا يقيس نجاح الحلقة بكثرة ما طرح من أسئلة، وإنّما بقدر ما أحدثته من فهم أو ملكة أو يقظة أو مراجعة.
وفي هذا المقال سأحاول تسليط الضوء على بعض الطرق والوسائل التي تعين المعلمين والمتعلمين على تدارس العلم، وتفتح لهم – بإذن الله- آفاق السؤال والفهم.
أولاً: الإعداد والتحضير لمسألة الحلقة.
ينبغي لمن أراد أن يجلس في شيءٍ من حلقات المناقشة أن يحضّر في ذهنه بعض المسائل حتى يضبط أحكامها وتفاصيلها، ويكون أقرب عهد بها ليتمكن من تعليمها لغيره بيسر وسهولة، ومما يعين على التحضير: قراءة الآية مع تفسيرها وأحكامها، أو الحديث سنده ومتنه مع شروحه، أو الشاهد مع معانيه وإعرابه وقصة قائله – إن وُجِدت- ، وكذلك إن أراد ضبط باب معين من كتب العلم المختلفة فمن الجيد أن يقسمه على عدة جلسات، فكل يوم يتناول جزءًا، أو يتناول كل يوم بيتًا أو بيتين من متون العلم ومنظوماته، أو يستحضر معلومات محاضرة أو خطبة حضرها الطلاب ليستفيدوا جميعًا، فينبّه المنتبه منهم الغافل، أو يختبر بعض معلوماتهم فيما عرفوه من كتب فنٍ من الفنون أو سيرة من سير أحد العلماء، أو يحرر مفهومًا من المفاهيم والتعاريف التي تدور حوله، فلا يفوت الفقيه تحضير المسائل من كتب الفقه بأقوالها وقائليها والأدلة عليها، ولا يغيب عن النحوي أن ينحو نحو كتب النحاة ليضبط آراء المدارس النحوية وشواهدها، وهكذا الشأن في الأصولي والمتكلم والمحدِّث والبلاغي والمؤرخ…
على أن يراعي مستويات الطلاب في كل فنٍ وباب، فإذا أصبح مستعدًا مُعِدًّا للمادة كان ذلك أدعى لحسن الاستفادة.
ثانيًا: إدارة المسائل أثناء الحلقة
فإذا بدأ مجلس العلم، أو حلقة الطعام فإنّه يبادر بالسؤال الذي يخرج الجمع من السكوت إلى الكلام، ويحاول التنويع في أي مجال نافع كي لا يدرك الطلاب الملل فينفروا، ولعل من أنفع ما يعين على ذلك أن ننظر إلى السؤال بحسب وظيفته التعليمية.
١. المسائل البنائية (تبني الملكة)
وهذه من أفضل أنواع المسائل، لأنها لا تسأل الطالب عما يحفظ، بل عما يستطيع أن يصنع بعلمه وما يبني ملكته، فالفرق كبير بين أن تسأله: ما تعريف الفاعل؟
وبين أن تقول: أعرب هذه الآية وحدد موضع الفاعل.
فالجواب الأول يستدعي الذاكرة، أما الثاني فيستدعي الفهم والتحليل والتركيب.
ولهذا كانت علوم العربية أكثر العلوم اعتمادًا على هذا النوع من المسائل.
ومن أمثلتها:
* أعرب قوله -تعالى-…
* استخرج أوجه البلاغة.
* علل هذا الحكم.
* خرِّج هذه المسألة على القاعدة…
* احسب هذه المسألة في الميراث…
* استنبط فوائد الحديث…
* بين وجه الاستدلال من الآية…
وفي أصول الفقه:
* على أي قاعدة يُبنى هذا الفرع؟
* هل هذا من العام أو الخاص؟
وهذه الأسئلة هي التي تُخرج الفقيه، والمفسر، والنحوي، ولا تكتفي بصناعة حافظٍ للنصوص، وينبغي التنبه إلى أنّه لا يتحقق المقصود من هذه المسائل إلا إذا ضُبط أصلها قبل التدريب عليها؛ فلا يُكلَّف الطالب بإعراب آية أو حديث أو شاهد حتى يضبط الحفظ، ويفهم القواعد.
٢. المسائل المثبِّتَة (تراجع المعرفة)
وهذه من أكثر ما يحتاج إليه المعلم في بداية الحلقة أو نهايتها، وهي التي يقصد منها تثبيت المعلومات حتى لا تذهب مع الأيام.
مثل:
*ما ملخص درس الليلة؟
* ما أركان الصلاة؟
* عرِّف الزكاة؟
* متى كانت غزوة بدر؟
* من مؤلف كتاب كذا؟
* ما أقسام القياس؟
وهذه مهمة جدًا، لكن من المهم ألا تتحول الحلقة كلها إلى امتحان للحفظ، فالطالب قد يحفظ، ولا يحسن التفكير، ولهذا ينبغي أن تكون هذه المسائل حاضرة بقدر.
٣. المسائل المستنفِرة (توقظ الذهن)
وهذه من أحب أنواع المسائل إلى النفوس؛ لأنَّها تبين مقدار المعرفة وتختبر سرعة الاستحضار والتذكر، مثل أن يقول:
* كم كتابًا قرأت في هذا الفن؟
* اذكروا عشرة من علماء العقيدة.
* ما الآيات التي ختمت بقوله تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾؟
* اجمع الأحاديث التي تبدأ بقوله ﷺ: “ليس منا…”
* من يعرف قصة هذا الحكم؟
فهذه لا تطلب جوابًا واحدًا، وإنّما تدرب الطالب على الاستقراء والربط وسعة الاطلاع.
٤. المسائل المنظِّمة (ترتب العقل)
كثير من الطلاب يعرف المعلومات، لكنّه لا يعرف مواضعها، وهنا تأتي مسائل التقسيم، مثل:
* ما أنواع التفسير؟
* ما مراتب المحدثين؟
* ما أنواع النسخ؟
* ما أقسام القياس؟
* قسّم أبواب الفقه.
فإن حسن التقسيم يضبط أبواب العلم في العقل، فيسهل أرشفتها وفهمها وتذكرها.
٥. المسائل الحوارية (تربي فقه الخلاف)
فليس المقصود منها أن ينتصر الطالب، وإنّما أن يتعلم كيف يستمع، فيقسم الطلاب إلى فريقين: هذا يعرض قول الجمهور، والآخر يعرض القول الثاني، ثم يناقش الجميع الأدلة.
ومن أمثلة ذلك:
* هل الأمر يقتضي الوجوب؟
* ما الحكمة من اختلاف الفقهاء؟
* هل حروف الجر تنوب بعضها عن بعض في المعنى؟
وهنا يتعلم الطالب أدب الحوار وحسن الإنصات وقوة الحجة والإنصاف.
٦. المسائل التطبيقية (تنقل العلم إلى الواقع)
من علامات رسوخ المفهوم القدرة على تطبيقه، فلا يقال فقط: ما تعريف القياس؟ بل: أعطني مثالًاً عليه، ولا يقال: ما تعريف الغيبة؟ بل: هل هذا المثال يعد غيبة؟
ومن الأمثلة في علوم القرآن:
* طبق قواعد الوقف على هذه الآيات.
وفي الحديث:
* استخرج الفوائد التربوية من هذا الحديث.
٧. المسائل الكاشفة (تكشف مستوى الفهم)
وهذه من أدق المسائل، فليست غايتها التعليم بقدر ما هي تشخيص لمستوى فهم الطلاب، فهي تكشف مواضع القوة والخلل عند الطلاب أكثر من عشرات الأسئلة المباشرة، مثل:
* لخص الدرس في دقيقة.
* كيف ستشرح هذه القاعدة؟
* ما أكثر شيء استوقفك في هذه القصة؟
* ما السؤال الذي خطر لك عندما عُرِض الإشكال؟
٨. المسائل المفتوحة (تصنع الباحث)
وهذه من أعلى أنواع الأسئلة، وهي المسائل التي تقبل عدة إجابات، مثل:
* ما أسباب ضعف الأمة في نظرك؟
* كيف يمكن تقريب هذا العلم للناس اليوم؟
* ما المشروع الذي يحتاجه هذا العلم في عصرنا؟
فهذه المسائل تربي الباحثين وتفتح لهم آفاق المطالعة والبحث..
ثالثًا: آداب مهمة
عندما تحتدم النقاشات فلا بد لمدير الحلقة أنْ يضبط آداب طالب العلم، فيخفف انفعالهم، ويهذب ألفاظهم، ويتأكد من أنّ الجميع يتكلم بما يعرف وما يحفظ، وإذا كانت مسألةَ تدارسٍ ومحاولة فإنّهم يتأكدون من الجواب من مصادره، فقد يأتي أحد الطلاب بسؤال فلا يعرفون له جوابًا، فيرشده معلمه ليبحث في عدة كتب ليأخذ منها الجواب، ثم يأتي ليقرأها في الحلقة ليتبين لهم صواب المعلومة من غلطها، كما ينبغي أنْ ينبه غيره بأهمية الاستماع للآخرين، ليستفيد قبل أنْ يدلي بجوابه، ويفهم المسألة قبل أنْ ينتقل لأخرى.
خاتمة: ليست كل الحلقات مجلسًا لإلقاء المعلومات، بل لمناقشتها وترسيخها في الأذهان، وكلما أحسن المعلم تنويع وظائف السؤال، انتقل بطلابه من الحفظ إلى الفهم، ومن الفهم إلى الملكة، ومن الملكة إلى الإبداع، ولذلك فإنّ المعلم الموفق لا يسأل ليعرف من يحفظ فقط، وإنّما يسأل ليوقظ عقلًاً، ويبني ملكة، ويستخرج فكرة، ويصحح مفهومًا، ويزرع عادةً في التفكير.
ولعل هذا من أهم ما تحتاج إليه حلقات العلم اليوم؛ فإنّ كثرة المعلومات لم تعد هي المشكلة، وإنّما المشكلة في قلة صناعة العقول القادرة على التعامل معها، فحسن السؤال نصف التعليم، وربما كان السؤال الواحد -إذا وُضع في موضعه- أنفع من ساعة كاملة من الشرح، فالسؤال ليس نهاية الدرس، بل قد يكون بداية العلم وانطلاقة البحث.
[1] رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده، باب فضائل الوضوء، رقم الحديث ٩٨.
[2] رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر، باب تحريم الغيبة، رقم الحديث ٢٥٨٩.
[3] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، لأحمد بن علي الخطيب البغدادي، الرياض: مكتبة المعارف، ١٤٠٣هـ، ج١، ص٢٣٦.
[4] المرجع السابق، ج٢، ص٢٧٤.
[5] جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبد البر، السعودية: دار ابن الجوزي، ١٤١٤هـ، ج١، ص٤٢٨.
[6] هو الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ثالث أئمة الدولة الرستمية الإباضية، بويع بالإمامة بعد وفاة والده، وعدل بين الرعية بالحق، وكان عالمًا تقيًـا ورعًا، دامت إمامته خمسين سنة، توفي سنة ٢٥٨هـ (على أصح الرويات)، يُنظر: الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي حياته وآثاره، سيف بن علي الشعيبي، مسقط: كلية العلوم الشرعية، ٢٠٠٢م.
Loading Viewer…



