اللغة

مجــيء ألفــاظ الإشــارة بمعنى الأسمــاء الموصولـــة

لـؤي بن عبدالله بن سـالم الحسيني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد:

فإن الأصلَ في اللغة أن يوضع فيها اللفظ الواحد لمعنى واحد، غير أن استقراء الاستعمال العربي يُثبت أن الكلمة قد تُعدَل عن أصل وضعها الأول لِتُؤدّي معنىً آخر، يقول سيبويه: ” ومن كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضعٍ على غير حاله في سائر الكلام”([1])، وأطلق عليه ابنُ هشام تضمينًا فقال: “قد يشربون لفظًا معنى لفظ فيعطونه حكمه وَيُسمى ذَلِك تضمينًا وَفَائِدَته أَن تُؤدِّي كلمة مؤدى كَلِمَتَيْنِ”([2])، ويشمل هذا التضمين أنواع الكلمة، يقول السيوطي: التَّضْمِينُ وَهُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ مَعْنَى الشَّيْءِ وَيَكُونُ فِي الْحُرُوفِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ([3])، يقول أبو البقاء الكفوي: “وَلَا اخْتِصَاص للتضمين بِالْفِعْلِ، بل يجْرِي فِي الِاسْم أَيْضا… وجريانه فِي الْحَرْف ظَاهر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ فَإِن (مَا) تضمن معنى (إِن) الشّرطِيَّة”([4]).

وإذا تقرر أنَّ التضمين أقرّه العلماء في الأسماء كالحروف والأفعال فإن من تطبيقات هذا التضمين النحوي مجيء أسماء الإشارة بمعنى الأسماء الموصولة.

وهذه المسألة من المسائل الخلافية بين مدرسة البصرة -التي تتسم بضوابطها القياسية الصارمة وعدم التوسع- وبين مدرسة الكوفة -التي تتسم بمنهجها التوسعي في قبول الشواهد وتوجيهها- ويسعى هذا المقال لبيان هذه المسألة وما فيها من أقوال وبيان رأي كل مدرسة، مع بيان رأي قطب الأئمة -رحمه الله- في هذه المسألة.

وقع الخلاف في هذه المسألة بين نحاة البصرة والكوفة، فذهب نحاةُ الكوفة إلى أنَّ أسماءَ الإشارة تأتي بمعنى الأسماء الموصولة، وصرَّحَ بهذا الرأي الفرَّاء في كتابه معاني القرآن، وذلك في معرض حديثه عن الآية الكريمة ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾([5]) فقال: “…وإن شئت رفعتها من وجهين أحدهما أن تجعلَ ذا اسمًا يرفع ما، كأنك قلت: ما الَّذِي ينفقون؟ والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الَّذِي فيقولون: ومَنْ ذا يقول ذاك؟ فِي معنى: من الَّذِي يقول ذاك؟”([6])، وكذلك في معرض حديثه عن قول الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾([7]) قال: “وقوله: (بِيَمِينِكَ) فِي مذهب صلة لتلك؛ لأنَّ تِلْكَ وهذه توصلان كما توصل الذي”([8])، فالفراء أطلق الكلام في هذين الموضعين ولم يقيد مجيء اسم الإشارة اسمًا موصولًا بقيدٍ أو شرط، وكذلك نسب مجيء أسماء الإشارة بمعنى الأسماء الموصولة  إلى الكوفيين مجموعةٌ من العلماء منهم: أبو البركات الأنباري([9]) وابن يعيش حيث يقول: “ذهب الكوفيون إلى أنَّ جميعَ أسماء الإشارة يجوز أنْ تقع موصولة”([10])، والشلوبين يقول: “وأما الكوفيون فإنَّهم يجيزون إجراءَ أسماء الإشارة مجرى الموصولات”([11]) وابن عصفور يقول: “وأجاز الكوفيون في أسماء الإشارة كلها أنْ تستعمل موصولات”([12]) وابن الناظم في شرحه على ألفية ابن مالك([13]) وأبو حيان في التذييل والتكميل يقول: “وزعم الكوفيون أنَّ أسماء الإشارة كلها يجوز أن تستعمل موصولات”([14])، وابن هشام([15])، وسَلَكَ الصَّيمَري([16]) مسلكَ الكوفيين إلا أنَّه قَيَّدَ هذا في الشعر، فقال في كتابه (التبصرة والتذكرة): “وقد اسْتُعملَ (ذا) بمعنى الذي بغير (ما) في الشعر”([17]

وأمَّا نحاة البصرة فذهبوا إلى أن (ذا) إذا جاءت منفردةً فهي اسم إشارة وأمَّا إذا جاءت مع (ما) و(من) الاستفهاميتين فتأتي بمعنى الذي، بشرطِ عدم التركيب وقد صرح بهذا سيبويه فقال: “هذا بابُ إجْرائِهم (ذا) وحْدَه بمَنْزِلةِ الذي وليسَ يكونُ كالذي إلاّ مع (مَا ومَنْ) في الاستفهام فيكون ذا بمنزلة الذي ويكون (ما) حرفَ استفهام، وإجْرَاؤهم إيَّاه مع (ما) بمَنْزِلَةِ اسمٍ واحد، أمَّا إجْراؤهم (ذا) بمنزلةِ الذي فهو قولُك: (ماذَا رأيت؟) فيقُول: مَتَاعٌ حسنٌ”([18])، وتَبَنَّى رأيَ البصريين جماعةٌ من العلماء منهم ابنُ الشجري([19]) وأبو البركات الأنباري في كتابه (الإنصاف) حين ردَّ على الكوفيين في حمل أسماء الإشارة على معنى الأسماء الموصولة فيقول: “فينبغي ألا يحمل عليها، وهذا تمسكٌ بالأصل واستصحاب الحال، وهو من جمل الأدلة المذكورة، فمن ادَّعى أمرًا وراء ذلك بقي مُرْتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على ما ادَّعوْهُ”([20]) والعكبري في معرض إعرابه للآية الكريمة ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ﴾([21]) ضَعَّفَ قولَ الكوفيين حيث يقولُ: “وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ، وَتَقْتُلُونَ صِلَتُهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا”([22])، وابن عصفور في شرح الجمل([23])، و أبو حيان([24])، والشاطبي في المقاصد الشافية يقول: “فالصحيح ما ذهب إليه البصريون والناظم، حين اشترط في وقوعها موصولة أن تقع بعد (ما) أو (من)” ([25])

وسلك الشيخ أطفيش -رحمه الله- في هذه المسألةِ قول من يجيز مجيء اسم الإشارة (ذا) اسمًا موصولًا من غير أن يسبق بـ(ما) و(من) الاستفهاميتين في الشعر، ويؤخذ هذا من إعرابه للشاهد الشعري:

 “عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عليك إمَارةٌ ….. نجوتِ وهذا تحملينِ طليقُ”

فأعرب الشيخ أطفيش رحمه الله (ذا): اسمًا موصولًا بمعنى الذي، وخبره كلمة (طليق)([26])، وكذلك يُؤخذ من إعرابه للآية الكريمة ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ﴾([27]) قال: “أخص هؤلاء، أو يا هؤلاء، أو أنتم المشار إليهم المعهودون، … وأجاز الكوفيون أن (هؤلاء) بمعنى الذين”([28])، وكذلك من إعرابه للآية الكريمة ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾([29]) فقال في إعراب كلمة (يمينك):”حال من (تلك)، أو صلة له على قول الكوفيين من جواز استعمال أسماء الإشارات مطلقًا موصولات، وخَصَّ البصريون (ذا) مع تقدم (ما) أو(من) الاستفهامية”([30]).

وبهذا تخلُصُ الآراء حول هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: جواز مجيء أسماء الإشارة كلها بمعنى الأسماء الموصولة مطلقًا من غير قيد أو شرط.
  • القول الثاني: جواز مجيء اسم الإشارة (ذا) بمعنى اسم الموصول من غير أنْ يسبق بـ(ما) و(من) الاستفهاميتين وهو مقيد بالشعر.
  • القول الثالث: جواز مجيء اسم الإشارة (ذا) بمعنى الاسم الموصول بشرط أن يسبق بـ(ما) و(من) الاستفهاميتين وشرط عدم التركيب.

 


([1]) سيبويه، عمرو بن عثمان: الكتاب، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط3، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٨هـ – ١٩٨٨م، ج1، ص51.

([2]) ابن هشام، عبد الله بن يوسف: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق: مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، ط6، دار الفكر، دمشق، ١٩٨٥، ص897.

([3]) السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،١٣٩٤هـ -١٩٧٤م، ج3، ص136.

([4]) أبو البقاء الكفوي، أيوب بن موسى: الكليات، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1418ه -1998م، ص266.

([5]) البقرة: 215.

([6]) الفراء، يحيى بن زياد: معاني القران، تحقيق: أحمد يوسف النجاتي ومحمد علي النجار وآخر، ط1، دار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، 1955م، ج1، ص138.

([7]) طه: 17.

([8]) الفراء، ج2، ص177.

([9]) أبو البركات، عبد الرحمن بن محمد: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، ط1، المكتبة العصرية، ج2، ص589.

([10]) ابن يعيش، يعيش بن علي: شرح المفصل، تحقيق: إميل بديع يعقوب، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت،           ١٤٢٢هـ-٢٠٠١م، ج2، ص430.

([11]) الشلوبين، عمر بن محمد: شرح المقدمة الجزولية الكبير، تحقيق: تركي بن سهو العتيبي، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1423ه 1993م، ج2، ص597.

([12]) ابن عصفور، علي بن مؤمن: شرح جمل الزجاجي، تحقيق: صاحب أبو جناح، ط1، دار الكتب للطباعة والنشر، العراق، 1400ه 1980م، ج1، ص168.

([13]) ابن الناظم، بدر الدين محمد بن محمد: شرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك، تحقيق: محمد باسل عيون السود، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢٠ هـ – ٢٠٠٠ م، ص61.

([14]) أبو حيان، محمد بن يوسف: التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل، تحقيق: حسن هنداوي، ط1، دار القلم، دمشق، ١٤١٨- ١٤٣٤ هـ، ج3، ص49.

([15]) ابن هشام، عبد الله بن يوسف: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، تحقيق: بركات يوسف هبود، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت، ط1، 1418ه -1998م، ج1، ص166.

([16]) عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري من نحاة القرن الرابع، صنف كتاب التذكرة والتبصرة في النحو على مذهب البصريين. انظر: القفطي، علي بن يوسف: إنباه الرواة على أنباه النحاة، ط1، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٤٠٦ هـ – ١٩٨٢ م، ج2، ص123.                 

([17]) الصيمري، عبد الله بن علي: التذكرة والتبصرة، تحقيق: فتحي أحمد مصطفى، ط1، دار الفكر، دمشق، 1402ه-1982م، ص519.

([18]) سيبويه، عمرو بن عثمان: الكتاب، تحقيق: عبد السلام هارون، ط3، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٨ هـ – ١٩٨٨ م، ج2، ص416 -417.

([19]) ابن الشجري، هبة الله بن علي: أمالي ابن الشجري، تحقيق: محمود محمد الطناحي، ط1، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤١٣هـ – ١٩٩١م، ج2، ص443

([20]) أبو البركات، عبد الرحمن بن محمد: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط1، المكتبة العصرية، 1987م ج2، ص589.

([21]) البقرة: 85

([22]) العكبري، عبد الله بن الحسين: التبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط1، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، مصر، 1976م، ج1، ص86.

([23]) ابن عصفور، ج1، ص168.

([24]) أبو حيان، التذييل والتكميل، ج3، ص49.

([25]) الشاطبي، إبراهيم بن موسى: المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، تحقيق، عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، ط1، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٤٢٨ هـ – ٢٠٠٧ م، ج1، ص462.

([26]) انظر: تسهيل الاجتهاد في تفسير أشعار الاستشهاد (مخ)

([27]) البقرة: 85

([28]) أطفيش، محمد بن يوسف: تيسير التفسير، تحقيق: إبراهيم بن محمد طلاي، ط2، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 1439ه -2018م، ج1، ص177.

([29]) طه: 17.

([30]) أطفيش، ج9، ص139.

Loading Viewer…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى