الخفيرية

د. منير بن محمد بن خميس السيفي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
أما بعد؛
فإن التراث الأنيق المعجب الذي أثَّله العمانيون منذ القرن الأول في شتى الفنون لَيَضَعُ على عاتق الخَلَف مسؤولية كبيرة لخدمة هذا التراث الفذ ومواصلة هذه المسيرة العلمية، ومع وفرة النتاج الفكري العماني فإنَّ نصيب التاريخ منه ضئيل، فالمصنفات المفردة في هذا الباب الواسع معدودة، فعلى سبيل المثال شروحات القصائد والمناظيم في التاريخ والأنساب والأدب تمثل (4 %) من التراث العماني[1]، ومهما يكن من أمر فإن العناية بالموجود تحقيقا ودراسة مع سد هذه الثغرة بالتدوين لهو أمانة في عنق القادرين، فكم من الأعلام المشرقة والمعالم البراقة التي هي جزء أصيل من هويتنا وفكرنا وانتمائنا انطمست أو كادت.
والكتاب الذي نعرض له في هذه المقالة كان معدودا في المفقودات، وما أشد الفرحة عند نشدان المفقود ووجدانه، ففي شهر جمادى الآخرة من عام 1436 للهجرة وصلتْ إليَّ نسخة مصورة منه، والأصل محفوظ في مكتبة كلية الدراسات الشرقية بلندن، وإن هذا الكتاب الفريد وأشباهه وأمثاله لهو حري بالعناية والرعاية، وهذه المقالة تعريف وجيز لهذا الكتاب.
الشيخ سليمان بن عامر بن راشد بن أبي الخفير الريامي، مِن أعلام العمانيين في القرن الحادي عشر الهجري، أدرك ثلاثة من أئمة اليعاربة، ولو كان عند العمانيين حسٌّ تأريخيٌّ وأُهْبَة لتدوين التأريخ لأسعف ذلك ابن أبي الخفير أن يكون مؤرخ الدولة اليعربية، فقد وجدت في كتابه شرح القصيدة الخفيرية بعض الإشارات التي تشي بتوجُّه جادٍّ نحو توثيق المرحلة التي عاشها.
نشأ الشيخ في محيط له صلة بالعلم والأدب، فأسرة بني الخفير أسرة علم وفضل، مساكنهم في بهلا ونزوى، خرج منهم العلماء والشعراء والنُّسَّاخ، ولم تُتِحْ لنا المصادر شيئا ذا بال عن نشأته العلمية، ولعل الشيخ سليمان تتلمذ على والده الشيخ عامر بن راشد الذي هو من فقهاء عصره، ولعله من طلبة المدرسة اليبرينية، ولعله كان عصاميا، هذا الذي يسعفنا به الحال أن نقول لعل ولعله؛ لغياب التدوين، وما كان أسهل أن تُثبَت سلسلة نسب الدين فيَكْتُبَ الأشياخُ أسماءَ تلاميذهم، ويَكْتُبَ الطلابُ أسماء أساتيذه، والذي يؤسف له أن تطول التلمذة وقد تمتدُّ لعقود، ولا يُنْقَل منها شيء إلا اسم الشيخ وتلميذه؟ وما سوى ذلك من أخبار ومواقف مما يصلح أن يكون مادة علمية فقد طارت به العنقاء شيئا مقدرا.
خلاصة ما يمكن قوله أن الشيخ درج على طلب العلم وشبَّ عليه، وهذا المحيط أسعفه وهيَّأَ له أسباب الطلب، فنهل من منابعه حتى اشتدَّ عوده فتأهَّل للتأليف نظما ونثرا، فوصل إلينا من تراثه: (شرح القصيدة الخفيرية) الكتاب الأوسع له، والذي نعرض له في هذه المقالة، وكتاب (كشف الأسرار المصونة في إخراج الضمائر المخزونة)، كما توجد له عدة قصائد، منها قصيدة وعظيَّة تقع في أكثر من مئتي بيت.
أما شرح الخفيرية فقد أحسن الريامي في اختيار الموضوع وترتيبه وعرضه، فقدم للقراء مادة علمية طوَّفت بهم في مرابع اللغة مازجا بين فنونها المختلفة مِن معجم ونحو وبيان ومعان، كما طرَّزه بحكم وروايات عن الخلف والسلف، وحشد فيه قدرا هائلا من أبيات الشعر من مختلف العصور، وكأني به يريد أن يجعل كتابه هذا نسخة عمانية لكتب الأدب ذائعة الصيت، وما أحرانا نحن العمانيين أن نُعَرِّف بتراثنا الفكري ونُقَدِّمَه بصورة تليق به تحقيقا ونشرا.
المخطوط يقع في 259 صفحة، في كل صفحة 18 سطرا، وحالته جيدة، مكتمل إلا مواضع قليلة في وسطه، يبدو لي أن الناسخ تعمد وضع فراغ في ذلك الموضع بمقدار صفحة؛ لأن الأصل المنسوخ منه متأثر، أما تاريخ نسخ المخطوط فهو 29 رجب سنة 1313 للهجرة، والناسخ والمنسوخ له غير مثبتين. وهو الثالث ضمن المجموع يسبقه كتاب (السلوانات) وكتاب (تسهيل النصر وتعجيل الظفر) للماوردي.
والكتاب هو شرح لقصيدته الخفيرية، ومنهجه الذي سار عليه في الشرح أنه يبين معاني الكلمات التي تحتاج إلى بيان وإيضاح وإعراب لبعضها، ثم ينتقل لشرح الحكم والأمثال والاستطراد في ذكر الأخبار والفوائد التي لها صلة بالبيت، وهذا ما جعل بعض الأبيات يصل شرحها إلى صفحات كثيرة، وأعرض هنا لبعض الملاحظ التي وقفت عليها في الكتاب، وهي:
أولا: جاءت هذه النسخة المخطوطة خالية من مقدمة المؤلف التي يرسم فيها منهجه التي اتبعه وارتضاه والسبب الذي حداه لشرح قصيدته، أما سبب إنشاء القصيدة فقد أبان عنه وهو رده على شخص تطاول عليه وقلل من شأنه، فقال:
قد ظل يفخر من عجب من حمق / عليَّ والدرص هل يعلو على النمر
ويدَّعي أنه أعلى الورى شرفا / فيا له من كذوب مائق أشر
ولكن يمكن استدعاء منهجه من تضاعيف الكتاب، لا سيما من أراد التعرف على المنهج العلمي الذي انتهجه الشيخ في كتابه هذا.
ثانيا: انتظمت القصيدة في تسعة أبيات ومئة بيت من بحر البسيط، كلها مثبتة إلا البيت رقم (69) فإنه غير موجود لوجود سقط في المخطوطة عند هذا البيت، قال في مطلعها:
يا سامك المجد بل يا عالي الخطر . ومن سعى للمعالي سعي مقتدر
ومن سمت فوق هام النجم همته . فعن بلوغ مداها الوهم في قصر
فيا لها همة نافت على همم . الأمجاد من يمن في المجد أو خطر
وقد حاولت تقسيم موضوعات القصيدة فجاءت كما يأتي:
الأبيات من (1 -8) مقدمة فيها إشادة وثناء للممدوح.
الأبيات من (9 – 37) فيها هجاء وذم للمتطاول.
الأبيات من (38 – 50) فيها دعوة إلى ترك الطمع.
الأبيات من (51 – 62) فيها فخر واعتداد بكريم الأصل.
الأبيات من (63 – 104) فيها مدح للإمام سلطان بن سيف.
والناظر في هذه الأبيات يجد عددا غير قليل في ذم من تطاول على الشيخ وافتخار الشيخ وذكره لمآثر آبائه، وهذا ما جعل بعض أعيان عصره ينتقدون فعله هذا، لكن الشيخ لم يكتف بذلك بل أنشأ رسالة يبين فيها موقفه الذي جعله ينهج هذا النهج[2]، وبغض النظر عن هذا المعترك الذي كان بين الشيخ والمتطاول الذي لم نعرفه، فإنه أنتج لنا نتاجا فكريا مميزا، وهذه مسألة جديرة بالدراسة أعني المؤلفات التي ألفت نتيجة ردات فعل، وينظر سياقها الذي ولدت فيه، مع ما لها وما عليها.
ثالثا: عمد الشيخ لاستعمال حساب الجمل في قصيدته عند ذكره لعدد أبياتها، فقال:
ولفظ (طسم) حوى أبياتها عددا . كما حوى البيت منها موضع السطر
فالطاء يقابلها تسعة، والسين يقابها ستون، والميم يقابلها أربعون، فيظهر مجموع أبيات القصيدة (109)، واستعمل حساب الجمل أيضا عند تأريخه زمن إنشاء القصيدة، قال:
و(يا ظهير) حوى تأريخها حقبا . لهجرة الهاشمي المصطفى المضري
ومجموع هذه الأحرف هو 1126 وهي السنة التي أنشئت فيه القصيدة.
رابعا: جمال الوصف ورعة البيان، فمما يصلح مثالا على هذا وصفه لحرب الإمام سلطان بن سيف للمعتدين، قال: “هل سمعت بمثلها في غابر الليالي والأيام وسالف الشهور والأعوام من قوم مجاهدين في الله صعدوا إلى جبال شامخة من بطون أودية هاوية، وأعداؤهم في بروج باذخة قد شيدت على رؤوس تلك الجبال” وقال: “صعدوا تلك الجبال كأنهم أوعال بل أسود قتال وليوث جدال ونزال، وقاتلوا الأعداء في تلك البروج الباذخة، وبلغوا منهم فرادى وجعلوا هاماتهم لسيوفهم أغمادا، والله إن الإمام سلطان بن سيف لو لم تكن له من آثار الحرب إلا هذه لكفته فخرا وصيتا طول المدى”، وغيرها من المواضع التي تتجلى فيها الملكة الأدبية والإنشائية للشيخ.
خامسا: اطلاعه الواسع على الأدب، فمن يقرأ شرحه للخفيرية يجد ذلك ظاهرا بوضوح، فقد استحضر في قصيدته عشرات الأعلام والأمثال وأتى في الشرح بتفصيل الأخبار والتراجم حتى إنه ذكر بعض الأعلام الذين يضرب بهم المثل في الجنون والسخف في البيئة العمانية، وهم: هميم وراشد ومحمد، فقال:
ما أنت إلا هميم في مناك على . ما رمت من نيل فضلي ثم مفتخري
وقال:
لا تعرف الغمض منه مقلة سهدت . كراشد بات يرعى واكف المطر
وقال:
فأنت أحقر قدرا من أتان فتى . محمد حين وافى وادي الحجر
ثم ذكر قصصهم في الشرح، وأسوق هناك خبر هميم، قال: “وكان كثير الأماني والهذيان فبلغ من هذيانه وأمانيه يقول: إن ملوك الأرض كلهم خدمي وتحت طاعتي وفي حكمي وكلهم يخافون سطوتي … وكان المسافرون من أهل نزوى إذا قفلوا من فارس أو من اليمن أو الهند أو البصرة يمزحون عليه ويقولون له: يا هميم إن الشاه عباس ملك فارس وارنج زيب ملك الهند وبن عثمان ملك الروم والإمام الزيدي سلطان اليمن والملك فلان قد بعثوا لك عندنا هدايا وخطوطا يريدون مسالمتك وصلحك وصداقتك فيظل هميم فرحا مسرورا من أجل ذلك”.
وإن أبرز ما وشَّى به المؤلف كتابه هذا توثيقه مادة تاريخية ممتازة عن الحقبة اليعربية، يحكي فيها مشاهداته ويفصل في ذكرها ويستوعب شيئا من تفاصيلها، ولا شك أن وجود مثل هذا مما يغري الباحثين والمهتمين بالشأن التأريخي، وهذا النمط من التأليف لم يكن فاشيا عند العمانيين؛ ولذلك فقدنا قدرا كبيرا من معالم الحضارة العمانية، والعجيب أن هذا القصور لم يكن محصورا في حقبة معينة بل كان ممتدا عبر القرون، وكأن الآباء يورثونه أبناءهم، وهذه الظاهر بحاجة إلى دراسة جادة تقف على الأسباب.
سادسا: حضور مادة تاريخية ممتازة عن الحقبة اليعربية تقع في سبعين صفحة، وعدد منها مشاهدات وسماعات، وأكتفي هنا بذكر مثالين:
المثال الأول: مع الإمام ناصر بن مرشد
“أخبرني والدي رحمه الله قال: لمَّا دخلت البغاة العقر وتملكوها ولم يبق إلا الحصن والمحلة التي فيها بيوت ملاصقة للحصن من سافل فقط ولم يكن بها إلا مدخل واحد من سكة لها ضيقة أنت تعلم بها ولم يكن بين تلك البيوت وسور الحصن إلا السكة التي علوي البيوت أيضا سكة ضيقة جدا فتخوفت من البغاة أن يدخلوا إلى تلك البيوت ويتسوروا منها إلى الحصن ويدخلوا على الإمام رحمه الله فحرضت الجيران، وكنا سبعة في ذلك الوقت وأشرت عليهم بأن نسد تلك السكة من مدخلها فامتثلوا أمري، فعمدنا إلى جذوع وركزناها على مدخل تلك السكة وهِلنا عليها الأحجار والحصى بقدر ما يمنع من الدخول ثم عمدت إلى جذع وسدلته من حائط داري على سور الحصن وصعدت إلى السور وتسورته.
وكانت داري أقرب بيت إلى الحصن من تلك البيوت، وأنت تعلم بها وباب الحصن الغربي منها ملاصق البيت، فلما تسورت السور ونزلت إلى بطن الحصن استأذنت للدخول إلى الإمام رحمه الله فأذن لي في الحال، فلمَّا دخلت عليه أخبرته بما جرى من سد مدخل السكة وما تخوفته من البغاة، فقال: جزاك الله خيرا، ثم قلت: أريد سيدي بعض الشراة أن يكونوا معي في البيت لنذب عن الحصن من تلك الجهة فإني أخاف من البغاة أن يدخلوا إلى تلك السكة ويتسوروا إلى الحصن فأعطاني رحمه الله أحدا من الشراة وتسورنا السور وقحمنا إلى البيت وذبينا عن الحصن”
المثال الثاني: مع الإمام بلعرب بن سلطان
“وقدم رجل إليه من أهل المدينة يسمى حسن بقصيدة مدحه بها وأنشده إياها بين العشاءين في مسجد يبرين وكنتُ حاضرا ثم دخلت عليه رحمه الله غداة غد في البيت، فقال لي: يا فلان أسمعت البارحة قصيدة الغريب المدني؟ وهل راقتك هي؟ فقلت: نعم سيدي سمعتها وعجبتني استحسنتها، وقد زينها وحسنها مدحك الشريف الذي تضمنته، فقال رحمه الله: بلغني أنها ليست له وإنما أخذها من بعض أشعار العرب ومدحنا بها، فقلت سيدي: فإن كانت من نظمه فقد أحسن في مدحك بها، وإن كانت ليست من نظمه وكان أخذها من أشعار بعض العرب وأحالها في مدحك أو انتحلها من بعض الشعراء فقد أثنى عليك ومدحك بشعر غيره، وفعله في كلتا الحالتين حسن، فقال: صدقتَ، ثم أعطاني له رحمه الله خمسا وسبعين عباسية”
فهذه المواقف وغيرها مما أوردها الريامي في كتابه فيها الكثير من الفوائد التي لم تدون في كتب التاريخ، ومادتها قابلة للتحليل واستنباط ملامح حضارية في القطر العماني، ففي هذين الموقفين إشارة إلى محاورات مع الإمام في شؤون مختلفة ففي الموقف الأول كان الحوار في شأن أمني وعسكري يتعلق بحفظ بيضة الإسلام، أما الثاني فموقف أدبي وتربوي.
وختاما أوجه دعوة لكل القائمين على منابر الدعوة والتعليم أن يقدموا للأمة الرجال وآثار الرجال فإن هذا من المبرة، فكم هي صفحات التاريخ تشع بأنوار البررة الذين قدموا حياتهم في سبيل الله وخلفوا لمن بعدهم علما نافعا ينتفع به، وأخلاقا رفيعة يحتذى بها، ويُشفع هذا التعريف بنصوص من عيون كلامهم منظوما ومنثورا، فكثير من هذه النصوص تكون بريدا للتعارف، وبذلك يكون الارتباط، وما أشد حاجتنا إليه خصوصا في زمننا هذا الذي طغت فيه المادية وانتشر أوارها، وربنا تبارك وتعالى يقول: (إنما المؤمنون إخوة)، والأخوة بمفهومها الواسع تتجاوز الزمان والمكان وهذا المعنى نطق به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سأله أصحابه: ألسنا بإخوانك قال: بل أنتم أصحابي وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض”.
اللهم لطفك والتيسير
[1] . قاموس التراث، فهد بن علي السعدي، ج1 ص347.
[2] . كشف الأسرار المصونة، الشيخ سليمان بن عامر الريامي، الطبعة الأولى 1423هـ/ 2002م، ص11.
Loading Viewer…



